مزهر جبر الساعدي
كاتب عراقي
تستمر الجريمة الإسرائيلية في حصاد أرواح الأبرياء من النساء والأطفال وكبار السن والرضع، في جريمة قل نظير لها في التاريخ في كل بقاع الأرض، أمام أنظار كل العالم، وأمام أنظار الدول الكبرى التي من مسؤوليتها؛ باعتبارها أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، حفظ الأمن والسلام العالمي وحفظ حقوق الشعوب ومنع تعرضها إلى الإبادة الجماعية؛ وهذا هو ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة. فقد بلغ حتى كتابة هذه السطور أكثر من عشرة آلاف من الشهداء على مذابح الحرية والتحرر من ربقة الاحتلال الإسرائيلي البغيض، الذي لا يعرف في كل تاريخه أي معنى للأخلاق، ويتلقى الدعم، بل المشاركة من قبل أمريكا والغرب على حد سواء.
كل قرارات أو مشاريع القرارات التي تم عرضها من قبل روسيا والبرازيل وغيرهما، لم تجد الطريق إلى إقرارها من مجلس الأمن الدولي، أو إصدارها؛ بفعل الفيتو الأمريكي أو التصويت. الكيان الإسرائيلي المحتل الذي هدد بالغزو البري على قطاع غزة وعلى المقاومة الفلسطينية فيه؛ وتحت ضغط المقاومين والخشية من الفشل، وارتداد هذا الغزو على الكيان الاسرائيلي المحتل وربما بمشورة من الراعي الأمريكي؛ أن يتحول من غزو كاسح، كما قال العسكريون الإسرائيليون، برا وبحرا وجوا؛ إلى هجوم غير مكثف ومحدود في المساحة والزمن، كما قال مؤخرا المسؤولون العسكريون الأمريكيون، أي إلى هجوم تكتيكي، كما يصفه الخبراء العسكريون؛ هذا النوع من الهجومات العسكرية، هي هجومات خاطفة؛ تقتل من تقتل وربما كما يتوهمون؛ بمعنى آخر؛ أن هذه الهجومات الغرض منها هو الاستنزاف والإنهاك، وانفلات السيطرة على القطاع وعلى سير معارك الصمود والمقاومة من قبل المقاومين في غزة؛ بفعل طول زمن هذه الهجومات، وعددها المتتابع، والقدرة التدميرية التي تستطيع إلحاقها بالأرض والبشر من المدنيين، عليه أو هذا ما يفسر لنا بوضوح تام؛ قول وزير الكيان الإسرائيلي المحتل؛ من أن المعركة مع المقاومة سوف تستمر شهرا أو شهرين أو ثلاثة أشهر، وربما أردف بالقول مصححا؛ لسنوات. كما أن هذا الكيان المصطنع واثق تماما من أنه سوف لن يتعرض في كل هذا الزمن إلى رفض من المجتمع الدولي، وأقصد هنا الرفض الإجرائي لهذا الإجرام أو لاستمرار هذا الإجرام؛ لأن القوى الدولية الكبرى، وعلى وجه التحديد؛ أمريكا والغرب؛ يوفرون له الغطاء الدولي، بل يقومون بشيطنة المقاومة وتحويلها الى منظمة إرهابية، من واجب العالم الحر ويقصدون بالعالم الحر؛ هم والدول الأخرى التي تسير سواء مرغمة أو غير مرغمة في فلكهم ولا يعصون لهم أمرا، بمقاومتها. إنها بحق مأساة ليست على الفلسطينيين فقط، بل على الوطن العربي كله وعلى دول الجوار الإسلامي، وعلى دول العالم الثالث، وحتى على الدول متوسطة القوة والقدرة؛ بسلبها إرادتها السياسية، وإجبارها على أن لا تتخذ الموقف الذي من واجبها الإنساني اتخاذه.
ما نتمناه؛ ان لا يستمر صمت العالم الحر على هذه المجازر والمذابح التي قامت ولا تزال تقوم بها إسرائيل بحق أهل غزة العزل من السلاح، أو أي وسيلة أخرى للدفاع عن النفس والمال والعرض. إن الكيان الإسرائيلي يعاني بالإساس من التفكك الداخلي، على الرغم مما يظهر كذبا إلى العلن في وسائل الإعلام الإسرائيلية، أو الأمريكية، أو الغربية، إنما الحقيقة هي على العكس مما هو ظاهر على السطح. الكيان الإسرائيلي المحتل يعاني من أزمة وجود. محارقه للبشر والأرض وكل ما هو حي، والبنى التحتية من المشافي، إلى الكهرباء، إلى الماء، وإلى الطعام؛ ما هي إلا دليل قاطع على الفشل والخوف من المقبل من الزمن، الذي ربما لن يطول بنا المقام حتى نرى تداعياته على الكيان الصهيوني المصطنع. إن المخطط الإسرائيلي الذي تم أو يتم البناء عليه؛ يتمحور ومن وجهة نظري؛ على حرب استنزاف طويلة، وربما، كما يقول وزير دفاعه إلى سنين. في السياق هذا؛ فإن حرب الاستنزاف ـ ربما وربما كبيرة جدا تصل حد اليقين؛ ستكون نتائجها لصالح المقاومة الفلسطينية ليس في غزة فقط، بل في عموم الأرض الفلسطينية المحتلة في القطاع وفي الضفة الغربية؛ لأن طول زمن الصراع سيقود حتما وبحكم الضرورة والضمير والمروءة والنخوة؛ التي جميعها تستند إلى قاعدة الهم الوطني الفلسطيني المشترك، الذي يعني جميع الفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة الغربية وهذا ما ظهر؛ بتصدي المقاومين الفلسطينيين في الضفة؛ وفي جنين وفي نابلس وحتى في رام الله، رغم الاقتحامات الصهيونية لهذه المدن واعتقال أهلها، وقتل آخرين، كل هذا سيأكل من جرف الكيان. هذا من جانب، أما من الجانب الثاني؛ فإن أصوات أحرار العالم، وروسيا والصين، وحتى الدول الكبرى، المشاركة والداعمة للكيان الإسرائيلي المحتل، وحتى الدول العربية المطبعة؛ سوف تجد نفسها مضطرة للوقوف الى جانب المطالبين بإيقاف المذابح الصهيونية، بصورة او بأخرى.. إن ملحمة السابع من أكتوبر؛ ستغير قواعد الاشتباك مع هذا الكيان المحتل تغييرا شاملا وجذريا، وستأخذ المقاومة في التوسع عموديا وأفقيا أي في القطاع وفي الضفة الغربية والأخيرة بطريقة او بأخرى، بعمق وسعة اكثر مما هي عليه الآن، كما أن السلطة الفلسطينية، وبحكم الواقع الذي سينتجه انتصار المقاومة في غزة على الكيان الصهيوني المحتل؛ ستجد نفسها في حرج، يستلزم منها موقفا واضحا من قضايا الوطن والناس. إن المقاومين في غزة سيصمدون وسيقاتلون بضراوة مع كل تغول إسرائيلي مهما كان، كما أن روح الجهاد سوف تفعل فعلها في تقوية المعنويات، وفي صلابة النفوس للمقاومين؛ لأنهم يدركون وبقناعة مستقرة في النفس والعقل معا؛ بأنهم يقاتلون ويقتلون من أجل قضية وطن، وقضية إنسان يريد ان يعيش بحرية وأمن وسلام في وطن يحكم من أبنائه، ومعترف به دوليا؛ وسوف تكون لهم في الانتظار؛ الشهادة التي تنقلهم الى جوار رب كريم؛ ويكون لهم مكانهم مع الشهداء في عليين. إن من يقاتل بهذه الروح؛ لن ينكسر أبدا، وحتى لو تراجع بشكل وقتي؛ فإنه لن ينكسر، بل سينهض مجددا حتى ينال النصر.
في الختام أقول إن العالم لو كان فيه أقل قدر من العدل والحق والإنصاف؛ لتم حل القضية الفلسطينية بسرعة وببساطة؛ لو لم تكن هناك أجندة استعمارية داعمة ومشاركة لهذا الكيان الإسرائيلي المحتل والغاشم؛ لحلت قضية الشعب العربي الفلسطيني، من سنين من خلال حل الدولتين بإجبار هذا الكيان على تنفيذ ما اتفق عليه بين الفلسطينيين وبينه، وحسب التوقيتات الزمنية؛ لاتفاقات أوسلو؛ من سنين ولانتهى الصراع العربي الفلسطيني وعم الأمن والسلام في المنطقة. لكن هناك اجندة استعمارية يتولى هذا الكيان الاسرائيلي المحتل تنفيذها في دول المنطقة العربية، بالإنابة عن امريكا والغرب.





