د. مدى الفاتح
كاتب سوداني
لم يعد الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي مغريا، كما كان قبل عقدين أو أكثر من الزمان، فمن ناحية دخلت دوله الكبرى في سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاختلافات البينية، ومن ناحية أخرى تزايدت حدة التساؤلات الشعبية عما إذا كان البقاء فيه مجديا، بل وصل الأمر حد انسحاب دولة مهمة مثل بريطانيا منه.
كان الاتحاد الأوروبي مثالا للتحالف الإقليمي الناجح، لكن مجرد الوجود فيه لم يعد يكفي لضمان استمرار الرخاء، ذلك ما تردده الأحزاب اليمينية الرافضة للنادي الأوروبي، والمتقدمة انتخابيا على المستويين الوطني والاتحادي، التي تعتبر أن هذا الوجود يخصم من السيادة الوطنية ويجبر على تقديم تنازلات مهمة.
في اتحاد اليوم تصر مجموعة من الدول على الاحتفاظ بعملتها الوطنية، وتعتبر أن الاستسلام للعملة الموحدة، اليورو، يفرض بالضرورة شروطا قد لا تكون في صالح الاقتصاد الوطني. في الوقت ذاته تطالب مجموعة أخرى بأن تحظى ببعض الاستقلال في اتخاذ القرار بشأن التعامل مع المجموعة الدولية، وهو ما ظهر في رفض دول كانت معتمدة على الغاز الروسي مقاطعته إثر تفعيل سياسة العقوبات الجماعية. مسألة التجارة الخارجية وقضية استقبال المهاجرين وتقاسم الأعباء، إضافة إلى سيطرة دول الوسط على القرار الأوروبي كانت من المسائل التي تطرحها المجموعات الرافضة للاتحاد، والتي كانت تتمنى أن تكون تجربة الخروج البريطاني ناجحة ومشجعة لدول أخرى لتحذو حذوها.
في ظل هذه الصورة غير البراقة يستمر الاتحاد في الحديث عن التوسيع وتستمر دول مهمة في شرق أوروبا في تطلعها للانضمام، وهي دول تمتلك كل منها أسبابا تجعلها تتمسك بالحلم الأوروبي. تركيا هي إحدى الدول التي لم تتخل عن هذا الحلم، على الرغم مما يكتنفه من صعوبات، فحتى إن لم يتم قول ذلك بشكل رسمي كسبب، إلا أن كثيرا من الأوروبيين والأتراك على السواء مقتنعون بأن من الصعب قبول تركيا المسلمة في هذا التجمع المسيحي. بالنسبة لمتخذي القرار الأوروبي، فإنه من الصعب أن يقال بشكل صريح إنه لن يتم قبول الأتراك لأنهم مسلمون، بل تتم الاستعاضة عن هذا بابتكار مجموعة من الدرجات التي يجب استيفاؤها حتى يكون البلد صالحا ومقبولا ضمن «المعايير الأوروبية». مع مرور السنوات بدت هذه الدرجات أشبه بدرج سلم لا نهاية له. استغرق الأمر وقتا طويلا حتى تولدت قناعة لدى معظم الأتراك بأن الأوروبيين العلمانيين، والذين يعلنون بأنهم تجاوزوا العقد الدينية منذ أمد، إنما يرفضونهم بالأساس بسبب دينهم، وأنه مهما جرى في تركيا من تعديل على القوانين والتشريعات، ومهما أظهرت البلاد علمانية شبيهة بالعلمانية الأوروبية، فإنه لن يكون من السهل قبولها. الأوروبيون يحتاجون في الوقت ذاته لتركيا كثقل عسكري يمكن الاعتماد عليه وكشريك تجاري لا يمكن تجاهله.. هذا يجعلهم لا يودون خسارتها بشكل كامل ولا إعلان عدم رغبتهم في قبولها، هذا هو ما كان يدفع للتفكير بطريق وسط يجمع بين التعاون وعدم القبول بعضوية كاملة داخل الاتحاد. يدخل في هذا مقترحات تسهيلات الحصول على التأشيرة الأوروبية، ومشاريع الشراكة الخاصة في مجالات التعليم والاستثمار والرياضة والثقافة والهجرة وغيرها. لا تنقص المفاوض التركي الخبرة ولا التجربة، وهو يدرك أن الأوروبيين إنما يسعون لجعله يقدم كثيرا من التنازلات على أمل الموافقة يوما ما على انضمام بلاده. مع هذا فهو لا ينسحب ولا يعلن الاستسلام. التفسير الأقرب لهذا قد يكون أن هذا المفاوض إنما يرغب في عكس سياسة الابتزاز، بحيث يحصل على مكاسب أكبر، حتى إن لم يتم قبوله كعضو. هذا الوضع الرمادي، إذا ما قاد لمزيد من الضمانات المتعلقة بتسهيلات انتقالات البشر والبضائع، ورفع أي تقييد أو عقوبات، أو ما إذا ساعد على الحصول على أي مكاسب أخرى، فإنه قد يكون أفضل بكثير من الانضمام الكامل. الانضمام مع مزاياه وفوائده، إلا أنه يعني، بالضرورة، أن يكون هناك تدخل أكبر في السياسات الداخلية والخارجية التركية، التي سيتوجب عليها أن تكون منسجمة مع السياسة الأوروبية. سيؤثر هذا بلا شك على دور تركيا الحالي كقطب دبلوماسي، كما سيفقدها هويتها وخصوصيتها بإخضاعها للمعايير الأخلاقية الأوروبية، ومطالبتها بأن يكون للمؤسسات التشريعية الأوروبية وللمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هيمنة على قوانينها الوطنية.
لمواجهة سياسية الابتزاز هذه تقوم تركيا من جهة أخرى بتقوية علاقاتها الثنائية مع دول الاتحاد بشكل يخاطب مصالح كل دولة على حدة، ويتجاوز المواقف الجماعية المتصلبة. يبدو ذلك واضحا إذا ما قارنا الاقتراب التركي مع المجر، مع البرود الذي يكسو علاقتها بفرنسا مثلا، أو ما إذا قارنا مسار العلاقات مع دول الشرق والجنوب القريبة بالعلاقات مع الدول الأبعد. الاختلاف ظهر أيضا إبان التعامل المختلف مع الدولتين الجارتين فنلندا والسويد في ما يختص بملف الانضمام لحلف شمال الأطلسي، ففي حين لم يستغرق الأمر وقتا طويلا لمنح موافقة تركية على الملف الفنلندي، ما تزال السويد، التي اتهمتها تركيا بدعم وإيواء إرهابيين، تنتظر الموافقة النهائية على الانضمام.
مناسبة هذا الحديث هو إصدار المفوضية الأوروبية، الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، قبل أيام تقريرها حول التوسيع وحول تقييم تقدم الدول المرشحة. بشأن تركيا خلص التقرير إلى أنها ما تزال بعيدة عن عضوية الاتحاد لأسباب يمكن إدراجها ضمن عنوانين كبيرين وهما، موضوع الحريات وموضوع الاختلاف الكبير في وجهات النظر حول كثير من القضايا. العنوانان يصلحان كذريعة يمكنها أن تعرقل الملف التركي لعقود أخرى مقبلة، فمن السهل انتقاد أي بلد بادعاء أن هناك مشكلة متعلقة بحقوق الإنسان، كما أن من السهل استخدام عبارات من قبيل «تراجع سيادة القانون». هذه الانتقادات لم تنج منها دول أوروبية كانت التقارير، وما تزال، تتحدث عن حصول انتهاكات فيها، بل وتشكك بمصداقية نتائج انتخاباتها وبمستوى الشفافية فيها. هذا كله لم يمنع في السابق ضم تلك البلدان، بل لم تؤد الانتقادات المتصلة إلى أي إجراء من قبيل تعليق العضوية أو تنفيذ عقوبات جادة.
دول الوسط والغرب نفسها، التي كانت تعتبر أن ديمقراطيتها راسخة، وأنها الأقدر على تقييم مستوى الديمقراطية في الجوار والعالم، أصبحت سمعتها هي الأخرى الآن مهددة على وقع ما اتخذته من إجراءات في غضون الحرب على غزة، وهي إجراءات وصلت حد منع التظاهر ومعاقبة المعبرين عن وجهة نظر مختلفة عن التوجه الرسمي المساند للاحتلال. من المطالب الأوروبية الإفراج عن كل من عثمان كافالا وصلاح الدين ديميرداش وهو ما لا تقبل تركيا مجرد التفاوض حوله.
مثل موضوع الحريات، يبدو موضوع الاختلافات العميقة في وجهات النظر أيضا كشعار بلا معنى، فاليوم لا تكاد تتفق دولتان أوروبيتان على رؤية متماثلة حول قضايا كبرى كالحرب الروسية مثلا، بل تعلن الدول أنها تتبع ما يتماشى مع مصلحتها الوطنية بغض النظر عن موقف الاتحاد. توقيت التقييم كان له أثر بلا شك، ولم يخف المتحدثون الرسميون، أن نقطة الاختلافات هذه تعلقت بالأساس بالموقف من حرب غزة وما اعتبر أنه انحياز تركي للمقاومة الفلسطينية، في مواجهة الموقف الرسمي الأوروبي، الذي كان متأسسا على حق الكيان في الدفاع عن نفسه.





