بقلم: ذ. عبد الحق لمهى
إذا كان من مهام ووظائف العالم الابداع والتجديد في العلم، فإن الريسوني يعد واحدا من هؤلاء العلماء، حيث عرف بنزعته التجديدية المستمرة التي لا تكاد تفارق مختلف أعماله وإنتاجاته العلمية. وهذا الكلام له شواهده ـ لمن طلبها ـ في مؤلفاته التي أنتجها صاحب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي.
مما يجلي حقيقة الإبداع والتجديد في المسار العلمي للريسوني، كتابه ـ ذي الجدة والجودة ـ الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، الذي ضمنه حديثا عن الأسس التشريعية الكبرى على حد تعبيره، ومما تضمنه الكتاب تقرير مسألة غاية في الأهمية وهي حاجتنا إلى الاستناد على كليات الشريعة الإسلامية في حياتنا كلها ومن ذلك ما تعلق بالمستجدات المعاصرة التي لم يرد فيها حكم شرعي صريح واضح.
السؤال المطروح في المقال الذي بين أيدينا، والذي طلب من العلامة الريسوني، تقديم جواب حوله هو:” حكم الشراكة والتعاون مع شركة إسرائيلية بالمغرب؟، والذي يمكن اعتباره ـ دونما استقراء مسبق حوله ـ من الأسئلة والقضايا المستجدة، وقد ورد السؤال كما يلي :”
لي صديق يعمل في مجال البرمجيات، تواصلت معه شركة اجنبية لها فرع بالمغرب من اجل التعاون معهم عملية برمجيات هنا بالمغرب،وهو قبل ان يقوم بتوقيع العقد قام بتعميق بحثه في أصل الشركة الاجنبية ومجموع أعمالها في العالم، فوجد أنها شركة تعمل في مجالات مختلفة، وأن مجال البرمجيات هو من المجالات التي استقلت به الشركة الاجنبية هنا بالمغرب،ووجد ايضا ان الشركة الاجنبية المستقلة هنا بالمغرب لها ارتباط بشركة اسرائيلية، بحيث ان الشركة الموجودة بالمغرب هي فرع مستقل عن الشركة الإسرائيلية.
فهل له أن يقدم على امضاء عقد تعاونه مع هذه الشركة الموجودة بالمغرب؟ أم يحجم عن الأمر لشبهة التعامل والتطبيع مع محتل الارض إخواننا واهلنا بالأراضي الفلسطينية؟”
وكان جواب الدكنور الريسوني عنه :” الجواب:
من الواضح أن هذه الشركة إنما هي فرع، أو نسخة، من الشركة الإسرائيلية الأم. فلذلك لا يجوز التعاون معها وخدمتُها، لكونها ذراعا اقتصادية للاحتلال والاغتصاب، ولا يجوز من باب أولى تعزيز نفوذها بالمغرب.”
بالرجوع إلى كتاب الكليات والمنهج الذي رسمه له الدكتور أحمد الريسوني، وبالتأمل في السؤال الوارد قبل ولمحتوى الجواب عنه، يمكن القول بأن المقال اعتمد في ذلك الجواب على كليات الشريعة الإسلامية، ومنها:” ولا تعاونوا على الاثم والعدوان” ، فالذي يفهم من الجواب كما هو في متنه أن العمل في هذه الشركة المذكورة ذات الصلة بأخرى إسرائيلية “إثم” ويحسن بالإنسان المسلم عدم التعاون عليه وذلك بترك العمل في الشركة المذكورة قبل . وبذلك يكون الجواب مستنبطا من القاعدة الكلية السالفة الذكر.
لفهم ما سبق أستحضر مثالا من المواضيع المستجدة وكيف تم التوصل إلى اجتهاد بخصوصها، يتعلق الامر بموضوع “حوادث السيارات على الطرق فهو مسألة ليست فيها نصوص وأحكام جزئية خاصة بها، ولذلك يتعين معالجتها من خلال الاحتكام إلى كليات الشريعة الإسلامية، من ذلك الكلية المتعلقة بحفظ الأرواح والأبدان والأموال.”
ختاما إن قضايا الانسان عامة والمسلم خاصة تتجدد وستجدد في كل زمان ومكان، وعلماء الشريعة لهم دور فاعل وشبه حاسم في مثل تلك القضايا، وعليه فلا مناص من طلب العلم وتجديد النظر في مصادر المعرفة الإسلامية القرآن والسنة أساسا بغية العمل على استنباط القواعد القمينة بالإسهام في الإجابة على تحديات ومستجدات الحياة الإنسانية في عصر ومصر.
وأخيرا، فإن ما ورد في المقال لا يعدو أن يكون رأيا لا يدعي فيه صاحبه القول الفصل، وإنما هو محاولة لإعمال العقل، عسى أن يقارب الصواب أو يدركه على التمام.





