قبل أن يتعقد المشهد الساعات الماضية، وتعود اللحظات الحرجة تدق في المنطقة، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعاد التأكيد، على أن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بشأن مبادئ عامة لتسوية القضايا العالقة، بما في ذلك المطالب الأمريكية بفرض قيود صارمة على برنامج إيران النووي، فضلا عن إنهاء القيود من قبل الجانبين على حركة المرور عبر مضيق هرمز.
ولإتاحة مساحة للدبلوماسية، علق ترمب يوم الثلاثاء 5 مايو/أيار الجاري عملية “مشروع الحرية” التي كانت تهدف إلى كسر سيطرة إيران على المضيق.
وقد أوقف المشروع بعد ساعات قليلة من إعلان كبار مسؤولي الأمن القومي لديه نجاحه التام، رغم أن عددا قليلا فقط من الناقلات تحرك عبر المضيق تحت الحماية الأمريكية.
وكان من بين العوامل المساهمة في قرار ترمب بتعليق العملية اعتراضات من بعض الدول العربية والخليجية، حثّت ترمب على التركيز على جهود الوساطة الباكستانية بدلا من استعداء طهران.
ومع ذلك، ورغم توقف “مشروع الحرية”، واصل الحرس الثوري الإيراني تأكيد سيطرته على المضيق من خلال مهاجمة ناقلات وسفن حربية أمريكية تمر عبره، مما دفع الولايات المتحدة لشن ضربات انتقامية على زوارق الهجوم السريع التابعة للحرس الثوري، وبعض الموانئ على طول الساحل. كما ضربت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية أهدافا عديدة في الإمارات العربية المتحدة.
وتواصل طهران وواشنطن العمل لمحاولة إنهاء “مذكرة تفاهم” من صفحة واحدة (اتفاق إطاري). وكان المسؤولون الأمريكيون قد طالبوا بقبول إيران الرسمي للاتفاق بحلول يوم الجمعة 8 مايو/أيار 2026، لكن وزارة الخارجية الإيرانية قالت إن الحكومة لا تزال تدرس المقترحات الأمريكية التي نُقلت إلى طهران عبر إسلام آباد، وستقدم ردا قريبا.
ومع ذلك، تقول وكالة تسنيم للأنباء، المقربة من الحرس الثوري، إن المذكرة الأمريكية تتضمن بنودا تعتبرها طهران غير مقبولة؛ وهو ما يعكس بوضوح وجهة نظر الحرس الثوري بأن إيران تمتلك اليد الطولى إستراتيجيا في الصراع، ويجب أن تصر على شروطها للتسوية.
وبينما يتبادل الجانبان المواقف، تسلط وسائل الإعلام العالمية الضوء فقط على الارتفاع المتزايد لأسعار النفط والغاز الطبيعي عالميا، وآثار الحرب على الاقتصاد العالمي.
وكان ترمب قد أشار إلى أن الاتفاق الدبلوماسي بات قريبا، مصرحا للصحفيين الأسبوع الماضي بأن المفاوضين الإيرانيين أصبحوا أكثر “مرونة”. وأشارت مسوَّدة نص- أوردها موقع “أكسيوس” الإعلامي ومنصات أخرى- إلى أن إيران ستوافق على تعليق طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، ربما يصل إلى 15 عاما.
وبعد فترة التعليق، ستقتصر أنشطة التخصيب الإيرانية على نقاء بنسبة 3.67%، وهي كمية كافية للاستخدام في مفاعل نووي مدني ولكنها بعيدة كل البعد عن مستويات “درجة صنع الأسلحة” اللازمة لسلاح نووي، وهي (90%).
وكانت طهران قد تعهدت سابقا بعدم التوقف عن تخصيب اليورانيوم، تحت أي ظرف من الظروف.
وقد توافق إيران أيضا على السماح بإخراج مخزونها المدفون المكون من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من أراضيها- وهو ما يكفي، إذا تم تخصيبه لدرجة صنع الأسلحة، لتزويد 11 سلاحا نوويا بالوقود- ليتم خفض تخصيبه، أو إعادة معالجته بطريقة أخرى وجعله غير ضار.
وتعد روسيا، المنخرطة منذ فترة طويلة في برنامج إيران النووي المدني، الوجهة المحتملة لتلك المواد. ويرفض ترمب السماح لطهران بالاحتفاظ بالمخزون، الذي يُعتقد أنه لا يزال تحت أنقاض منشأة أصفهان لتحويل اليورانيوم التي دمرتها الولايات المتحدة في قصف عملية “مطرقة منتصف الليل” العام الماضي.
وفي المقابل، وفقا لتقارير حول التفاهمات الأمريكية الإيرانية، ستحصل إيران على تخفيف كبير من العقوبات الأمريكية، وسينهي الجانبان تدريجيا قيودهما على حركة المرور عبر المضيق، بما في ذلك الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.
أدى إعادة تركيز ترمب المفاجئ على الدبلوماسية إلى وقف ما قدره المسؤولون الدوليون بأنه عودة وشيكة لصراع واسع النطاق بعد شهر واحد من وقف إطلاق النار.
ففي يوم الاثنين 4 مايو/أيار الجاري، بدا أن جهد “مشروع الحرية” لكسر سيطرة إيران على حركة المرور عبر المضيق الإستراتيجي سيحطم الهدنة بالتأكيد، رغم تصوير المسؤولين الأمريكيين له كبعثة دفاعية وإنسانية لمساعدة السفن العالقة وطواقمها على مغادرة الخليج.
ومثل المشروع رد فعل ترمب على الضغوط السياسية التي فرضها عليه تصاعد أسعار الطاقة العالمية لإنهاء الصراع دون تحقيق أهداف إستراتيجية رئيسية.
وفي منتصف أبريل/نيسان، سعى ترمب لمواجهة إغلاق إيران للمضيق، دون انتهاك صريح لوقف إطلاق النار، من خلال فرض حجر بحري على الموانئ الإيرانية.
ورغم صياغة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لـ”مشروع الحرية” كتعزيز للتنسيق وتبادل المعلومات بين الشركاء الدوليين لدعم الأمن البحري في المضيق، فإنها أوضحت أن الجيش الأمريكي كان منخرطا في المهمة. وشملت العملية مدمرات صواريخ موجهة أمريكية، وأكثر من 100 طائرة برية وبحرية، ومنصات غير مأهولة متعددة المجالات، و15 ألف جندي.
وفي 4 مايو/أيار، وهو اليوم الكامل الوحيد لـ “مشروع الحرية”، ساعدت السفن الحربية الأمريكية العديد من السفن التجارية التي ترفع العلم الأمريكي على العبور، ولكن لم تكن هناك حركة فورية من قبل العديد من السفن العالقة في الخليج والمقدر عددها بـ 1500 سفينة لمحاولة مغادرة الممر المائي.
وإذا استؤنفت العملية، فسيتم الحكم عليها بمدى تخفيف المهمة للضغط على أسواق الطاقة العالمية، وهي نتيجة تتطلب من مديري الشحن وشركات التأمين تقييم أن مخاطر العبور في المضيق قد انخفضت بشكل كبير.
وإذا لم يستعد “مشروع الحرية” مستوى مقبولا من تدفق حركة المرور عبر المضيق، فمن المرجح أن يصعد ترمب إلى مهمة مرافقة بحرية أكثر تنظيما، لكن القيام بذلك يحمل أيضا مخاطر انتقام إيراني.
نفذ قادة الحرس الثوري، الذين يبدو أنهم يسيطرون على صنع القرار في زمن الحرب في إيران، تهديداتهم على الفور لمحاولة إحباط “مشروع الحرية”، وأتبعوا ذلك بمزيد من الهجمات على السفن التجارية والسفن البحرية الأمريكية.
ويصمم الحرس الثوري، إلى جانب عناصر إيرانية متشددة أخرى، على عدم التخلي عن قبضة إيران الخانقة على المضيق لصالح القوات الأمريكية، وهي نتيجة من شأنها تخفيف المخاوف الاقتصادية العالمية واستنزاف أوراق الضغط الإيرانية.
ومع ذلك، يواجه الحرس الثوري قيودا في الموارد والقدرات حدت من قدرته على مواجهة القوة العسكرية الأمريكية بفاعلية؛ إذ تم إحباط جميع صواريخ وطائرات الحرس الثوري المسيرة التي أطلقت على السفن الحربية الأمريكية بواسطة الدفاعات المحمولة على السفن، وأدت هجمات الحرس الثوري إلى تعديل قواعد الاشتباك الأمريكية للسماح بهجمات استباقية وانتقامية على زوارق الهجوم السريع التابعة له.
ولم تكتفِ الولايات المتحدة بمهاجمة وتدمير قوارب الحرس الثوري المتورطة في الهجمات على السفن الحربية والتجارية الأمريكية فحسب، بل ضربت يوم الخميس 7 مايو/أيار وعطلت عمليات الموانئ الإيرانية على طول ساحل المضيق، بما في ذلك مدينة بندر عباس وجزيرة قشم وسيريك.
ومع ذلك، وفي محاولة واضحة لتقويض الدعم للولايات المتحدة بين دول الخليج العربية، احتفظت إيران بأثقل نيرانها لدولة الإمارات، حيث أطلقت 15 صاروخا باليستيا ومجنحا وطائرات مسيرة على أهداف إماراتية يوم 4مايو/أيار.
وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن إيران شنت هجمات إضافية على البلاد يوم الثلاثاء. وتم اعتراض معظم القذائف، لكن ناقلة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) المملوكة للدولة تعرضت للقصف، وأشعلت طائرة مسيرة واحدة النار في منشأة في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية بالإمارات.
وبدا أن الهجمات على الإمارات أثارت نقاشا في طهران، حيث شكك القادة المدنيون المنتخبون في قرار الحرس الثوري بمهاجمة دولة خليجية يأمل القادة الإيرانيون في إعادة بناء العلاقات معها بمجرد انتهاء الصراع.
وقد يشير التقدم في المفاوضات مع الولايات المتحدة، إذا تأكد، إلى أن القادة المدنيين يواجهون نزعة الحرس الثوري لمحاربة الولايات المتحدة دون اعتبار للتكاليف التي تفرضها مقاومته على الشعب الإيراني.
وفي حال التعثر فإن الخطر يحدق بالمنطقة من جديد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






