المقاهي لم تكن رائحتها كريهة

 

 

 

 

ذ.محمد كندولة

 

 

 

لست من وراد أو من هواة المقاهي منذ زمن بعيد ، ولست ممن يضرب المواعيد فيها إلا للضرورة ، ولست ممن لا يدخل الى منزله من سفر حتى يحتسي فنجانا من قهوة ، ولقد سال صديق صديقه بعد ان تعرف عليه عن المقهى الذي يعتاد الجلوس فيها ، فأشار إليه ان داره هي مقهاه ، وهكذا كثير من الناس ، لهم مقاهي يعرفون بها ، فطورهم فيها ، وغذاءهم بالقرب منها، ولمجتهم في مساءها ، وهكذا انتشرت المقاهي حتى اصبح “بين قهوة وقهوة كاينة قهوة” وذلك لكثرة الاستثمارات فيها ، فأصبحت مكانا مرجوا عند الناس ، من الرجال و النساء ، والتلاميذ و الطلبة ، والعاملين و العاطلين …

لم تكن رائحة المقاهي كريهة ، لكنها خلقت للناس مشاكل عدة ومتاعب جمة، فلقد حرمت الكنيسة شرب القهوة على المسيحيين ، فتراجعت في عهد كليومنت الثامن ، كما قامت النسوة في انجلترا بحملة على المقاهي وشرب القهوة لأنها تضر بالرجال ،أي الازواج ، لكن القصة الغربية في هذا الموضوع هي علاقة المقهى بالسلطان العثماني مراد الرابع ، الذي طلب من العلماء فتوى تحرم الجلوس في المقاهي مع تشديد العقوبة على المخالفين لهذا الامر .
تولى السلطان مراد الرابع الحكم ، فجرم شرب القهوة والجلوس في المقاهي ، وعلل هذا الحكم لمضارها ، لكن الحقيقة ان الاجتماعات في المقاهي يؤجج كراهية الناس له ، ويثير غضبهم عليه ،خاصة وانه تولى الحكم وعمره إحدى عشر سنة، وتوفي وعمره سبعة وعشرون عاما ، وكان اغلب فترات حكمه تحت وصاية أمه والصدر الاعظم ، (1613-1640) ولقد كان يتجول في شوارع القسطنطينية ، فمن وجده مخالفا للقرار امر بقتله امام الناس ، بحيث بلغ عدد قتلاه عشرة ألاف شخصا، ولم يهنأ الناس إلا بعد وفاته سنة 1640 ليخلفه شقيقه ابراهيم الاول الذي خفف من العقوبات ، لكن ضربت المراقبة على المقاهي ، وشددت الحراسة على الانشطة المخالفة للقانون .
وفي فرنسا لعبت المقاهي دورا مهما قبل الثورة الفرنسية سنة1789 ،فلقد كانت مقرا للاجتماعات و اللقاءات بين مثقفي الثورة على مستوى الثقافي و السياسي بعدما كانت الصالونات تحتكر هذا النوع من النقاش تحت ظل الطبقة الارستقراطية المدعومة بالطبقة السياسية الحاكمة الفرنسية ، والتي كان الدخول اليها لا يكون إلا بالواسطة ، والحضور فعالياتها يكون مبررا ,

ذكر جون جاك روسو في كتابه” الاعترافات” وجوها كثيرة عن مصاعب الدخول الى الصالونات للمشاركة في التداولات الثقافية و السياسية ، بحيث كان يمنع المثقف منها بدعوى ان مكانه بين الخدم ، الشيء الذي جعل المثقفين يلجؤون الى المقاهي مكسرين عادة الجلوس في الصالونات على اعتبار انها محلات سهلة الولوج ، رخيصة الاستهلاك حيث لا تكلف المرء إلا فنجان قهوة ، وذلك للمشاركة في الحوارات المفتوحة حول مصير الناس والبلد حول المستجدات الفكرية و الثقافية العالية ، مع نقد الواقع والحاصل على جميع المستويات الثقافية و السياسية .

إذن فالمقاهي لم تكن رائحتها كريهة ، فلقد قلبت النظام السائد ، وقضت على احتكار الصالونات للفعل الثقافي ، وخلقت ميدانا رخيصا حرا بعيدا عن جوها ،
يسمح للجميع الولوج اليه، فعادت الثقافة الى مسارها الشعبي تعكس قضاياه ، وتجيب على اسئلته ، تعارف الناس فيها ، وتعلموا في اجواء حرة ورخيصة وسهلة ن وشاركوا بآرائهم وافكارهم بالحضور في اللقاءات الادبية ، والاجتماعات الفكرية بعيدين عن امزجة اصحاب الصالونات و الاندية المغلقة ، فقدمت البدائل ، و الاقتراحات ، قبل ظهور الصحف ، بل هناك بعض من الصحف ما خرج من المقاهي ، ومن الكتب ما الف فيها ، قبل ظهور الشبكات العنكبوتية ، والمنصات التواصلية الاجتماعية .
اليوم أصبحت للمقاهي روائح كريهة ، بحيث غاب هذا الدور التوعوي و التربوي ، وانتشرت الموبقات وغاب الادب و الثقافة و الفكر ووووو
فهل ستعود المقاهي كبرلمانات للتداول التشريعي ، وفضاءات عامة للثقافة و التربية؟؟؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...