ذ.أنور بلبهلول
كاتب و باحث في علم الإجتماع
قد يتفق الكثير من المثقفين و الباحثين خصوصا الكتاب و المدونين منهم على أن هناك حالة من اليأس أو الإحباط تلم بهم في كثير من الأحيان، و تحول دون دفعهم يا إما للكتابة أو البحث و هي تشبه حالة يمكن وسمها باليأس أو فقدان الأمل من المعارف هذه الحالة أضحى التاريخ الراهن يتجه نحو تقويتها من خلال تهييئ الشروط لإنتاجها بشكل سريع ذلك أن مظاهر اللامعنى و الإستهلاك العام و التسليع الكلي أمست السمات المميزة لتاريخيتنا اليوم
فتواجد الكاتب أو المثقف ضمن هذه الشروط التي تحكم الواقع الحالي سار تواجد غير لائق أو لنقل غير مجدي إلى حد ما حيث نجد أنفسنا بدون فعالية تارة و تارة أخرى غير منتجين بالمعني الرأسمالي لهذا الزمن و من ثم نفقد رمزيتنا التي تعد شرط أولي لإحداث تدافعات تنتج إغناءات معرفية لا محيد عنه.
هنا قد تبدو خطورة الأمر! فعند إستهداف الرمز تتلاشى الجاذبية نحوه و حينها يسهل فقدان قيمته و لعل هذا ما صارت تتجه الأمور إليه بشكل رسمي، فالمعارف و أصحابها يتجهون نحو الهامش ما يريده أصحاب تاريخية اللامعنى من المعارف و التعليم اليوم سوى التقانة إنسان تقني مفروغ من محتواه الإنسي العظيم كما هو الحال مع الكثير اليوم !
إن معركة المثقفين و الكتاب صعبة جدا اليوم فالأمر يشبه السباحة ضد التيار، فالخط الثقافي الكوني يتجه بسرعة نحو الزحف على كل ما هو قيمي أو رمزي، التسليع و إعادة الإنتاج هي مطمح الكل اليوم السياسي و الرأسمالي و جميع الأفراد إنها حالة من الهذيان تنسحب على الجميع،
لقد تم إحكام القبضة على الشكل المرغوب أن تعيش على نحوه البشرية من خلال إعتماد الرأسمال كسلطة و الثقافة كنمط عيش للإستهلاك!
و هذا ما يزيد من تركيبية الوضع و يعيد طرح السؤال التالي بقوة ما مدى نجاح رهان التغيير أو المقاومة أمام ما يحدث؟
عندما تصير الثقافة نمط عيش بمظاهر و أساليب معممة على كل الأمم و الثقافات بإختلافها تسودها نفس الأشكال الثقافية سواء تعلق الأمر بالرباط أو جاكرتا أو أمستردام أو غيرها بنفس أنماط التداول و التواجد يصبح الأمر خطير و يعكس مدى إخضاع العالم لتاريخية واحدة و لسلطة واحدة لصالح أطراف محددة و لعل ما نشهده من إبادة جماعية في غزة من طرف الكيان المحتل خير دليل على أن هناك أشياء كانت تحدث منذ مدة غير طبيعية و تخدم أطراف بعينها مستغلة الرأسمال كسلطة و الثقافة كنمط إستهلاكي، و في هذا السياق يبرز خطر الكتاب أو المثقفين المراقبيين بالنسبة للجهات التي تريد إخضاع العالم لسلطتها ليكون إعتمادها لإستراتيجية عالمية أهم ما تتضمنه هو أن يكون المثقف اليوم في الهامش و بدون معنى و هي الآفة التي تميز الكل بمختلف أنحاء العالم بشهادة كل الباحثين و الأكاديميين و المراقبيين.
يبدو من ماسبق أن هذه النوبة التي تصيب الكتاب و المثقفين نتاج لعوامل موضوعية خارجة عن إرادتهم و من ثم وجب فهمها في سياقها العام الذي يطبعه تراجع دور المعرفة و القراءة في ضل سياق مادي صرف ثم التأسيس إليه يعيش الأفراد فيه في ظل “حالة البقاء على قيد الحياة” survival mode و التي يعتبر أهم سماتها إعادة الإنتاج و الحفاظ على الوضع القائم.
فالأحداث الجارية أصابت الكل بنوع من الإحباط التام المتعلق بأي شكل من أشكال التغيير أو حتى التعبير لقد أحدث هذا الواقع الثقافي اليوم حاجز كبير بين إدراك قيمة القيم و المعارف و نبلها و بين ما يقتضيه الواقع المادي الإستهلاكي الذي يأخذ البشرية نحو إفراغها من أصلها الإنسي المتعالي .
لابد أخيرا من التأكيد على أننا لا نسعى من خلال ما سبق إلى تكريس الإحباط أو اليأس الذي ضل يقترن بالعديد من الكتاب و المثقفين و حتى المراقبين بل نحاول تشخيص أو على الأقل الإشارة إلى قضية أضحت تلقي بضلالها على المشهد الثقافي و المعرفي الأمر الذي قد يزيد الطين بلة و يعقد من الأزمة ذلك أننا نطمح أولا و أخيرا إلى أن نكتب مهما كان ذلك صعبا !
فالرهان للخروج من هذه التاريخية التي تعيشها البشرية بفعل أطراف الشر و أعداء التعدد و الإختلاف مرتبط بالمعرفة الغير المعدلة أو المنقحة أي المعارف الموضوعية الخالصة التي يقبلها العقل و قد يصدقها القلب و من ثمة دور الكتابة حاسم في هذا الصدد مهما إلتصق اليوم من أشكال التهميش أو التقليل أو اللاجدوى بهذا الخطاب رغم كل ذلك لا محيد لنا عن مجابهة كل هذه التحديات و مواصلة ممارسة المهام المقدسة بنشر المعارف و الكتابة في ضل عالم بلا معالم





