لطفي العبيدي
كاتب تونسي
الفلسطينيون الذين يمتلكون حقوقا سليبة، من الطبيعي أن يثيروا احتجاجات الضمائر الحية التي تناصر ما يتعرضون له من حرب إبادة بدعم غربي وأمريكي مباشر. هذه المعاناة المستمرة هي مسؤولية أمريكا بالدرجة الأولى. وهي تسبب حالة من عدم الاستقرار، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقتات وتتقوى بأوهام تُخفي تحتها سياسة تولي كل الأهمية لمصالحها، التي تتعارض مع الحقيقة الموضوعية للقضايا المعلنة. وحتى عندما يحتج الداخل الأمريكي في شكل حركة طلابية واسعة، يجابه بالقمع ومحاولة تكميم الأفواه، وتشويه الحراك بلازمة معاداة السامية المعهودة، وكل ذلك من أجل كيان وظيفي مجرم.
واشنطن تحصد تصدّع القيم الأخلاقية والسياسية والإنسانية، وهي ظاهرة باتت تدعو إلى الاشمئزاز في أوساط النخبة لديها، وما يحدث من مشاكل اجتماعية يعكس العلاقة الوثيقة بين الانهيارات البنيوية، والمواقف المشبوهة للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عقود. ناهيك من دعمها الاستئثار الإسرائيلي بمفاصل القضية الفلسطينية، والفشل الذريع الذي حصدته واشنطن في العراق وأفغانستان، إضافة إلى توتر العلاقات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي حرب غزة لتثير الحركة الطلابية التي لم يستطيعوا أن يدجّنوها، فيما يبدو، ضمن حرب الدعاية الكاذبة والتعتيم المعهود، وربما سيعتبرونها عملا إرهابيا. فالولايات المتحدة تعتبر كل عمل يزعج إسرائيل، أو يضيرها عملا إرهابيا. عندما تمارس أمريكا عنفا إعلاميا داخليا يعطي الزيف شكل البداهة، وعنفا خارجيا قاتلا يعطي القتل شكل الإنقاذ، فهي عندئذ تمارس إرهاب الدولة.
جوهر الأمر هو، أنه لم يتم تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، وإخفاء الحقيقة من خلال الإعلام ومؤسسات صنع القرار التي تخضع لضغط لوبيات صهيونية لخدمة إسرائيل، لم تعد تجدي نفعا لدى الرأي العام الأمريكي وحتى الأوروبي. الوضع في الأراضي المحتلة اليوم أسوأ بكثير من الفصل العنصري، يريد الكيان الصهيوني بشكل أساسي أن يختفي الفلسطينيون، وهذا العرف السائد للمجتمعات الاستيطانية الاستعمارية. أما ذرائع الإدارة الأمريكية الواهية، وادعاءاتها بالتزام شرعة حقوق الإنسان التي اتخذت منها هدفا معلنا، وباتت تقود الحروب الاقتصادية والثقافية والعسكرية، وتجيّش أوروبا وحلفاءها للحرب تحت راية هذا الهدف، فقد أصبحت مثيرة للسخرية فعلا بمجرد تكرارها والتصريح بها. أمريكا تعتبر إسرائيل كيانها المهم في المنطقة، وهي تدعمه بشكل مطلق لا تغيير فيه بقطع النظر عن تداول الحزبين الحكم في البيت الأبيض. مرة أخرى يفشل العالم في التمييز بين الجلاد والضحية، ويستمر آخر استعمار استيطاني معربد بحماية أمريكية غربية. في الأثناء، أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة في أوساط الغرب الليبرالي، بعد التباين الحاصل بين الحكومات والشعوب التي خرجت للتظاهر رافضة الرواية الرسمية بشأن ما يحدث من مجازر ترتكب في حق الفلسطينيين. حرب الانتقام الإسرائيلية على غزة، بما فيها من قصف عنيف، سلطت الضوء دون شك على ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب في رد فعله على الصراعات والحروب. إنهم يريدون استمرار الفوضى في الشرق الأوسط، ولذلك تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لتشويه سمعة تلك الدول التي تصر على وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة ووقف إراقة الدماء، والتي تقف مستعدة لتقديم مساهمة حقيقية في حل الأزمة. يبدو صحيحا أنه من الخطأ الفادح النظر إلى بنية النظام السياسي الأمريكي بأنها تستند إلى صراع الحزبين التقليديين، فهذا الوضع لم يعد قائما منذ زمن بعيد. الولايات المتحدة تدار بواسطة حزب واحد، حزب رجال الأعمال، كما يسميه تشومسكي، لديه تيار أوحد: الجمهوريون المعتدلون، الذين يطلق عليهم اسم الديمقراطيين الجدد، في إشارة إلى التموضعات السياسية داخل الكونغرس، وجنوح المشهد السياسي بقوة نحو التوجهات اليمينية. أحزاب لم تتخل يوما عن ولائها لشريحة الأثرياء والقطاع التجاري، على نحو استغلال أولئك المنتسبين كرأس حربة لفرض سياسات النيوليبرالية ضد باقي أفراد المجتمع، بغية تغلغل موجة الخصخصة والتخلص من القيود الحكومية والحد من تدخل سلطة الدولة المركزية، واستدامة المحافظة على ذلك الشق من القوانين التي تخدم مصالح الأثرياء والأقوياء، مثل قطاع القوات المسلحة.
لعل كل ذلك التردي، هو انعكاس للمغالاة الخارجية، وما يعنيه طموح أمريكا الامبراطوري وأفعالها في العالم. فمنذ أواخر السبعينيّات، يعاني الأمريكيّون من العواقب السلبيّة للإمبراطورية. اليوم، القاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات خاصة الطلابية منها، هو رفع المتظاهرين شعارات مؤيدة للفلسطينيين ومطالب بإنهاء أعمال قتل المدنيين في غزة، ووقف الدعم العسكري والمالي والسياسي الأمريكي لإسرائيل.. ومن لوس أنجليس إلى نيويورك، مرورا بأوستن وبوسطن وشيكاغو وأتلانتا، تتّسع حركة الطلاب المؤيّدين للفلسطينيّين، حيث نُظمت احتجاجات في عدد من الجامعات المرموقة عالميا مثل هارفرد وييل وكولومبيا وبرينستن. فئة واسعة من الشباب الأمريكي غير راضية عن سياسة الرئيس جو بايدن المؤيدة بشكل مطلق لإسرائيل في حربها في غزة، وهناك شخصيات سياسية ليبرالية أمريكية، عبّرت هي الأخرى عن استيائها من استخدام أموال الضرائب لتمويل إسرائيل. وطالبت بايدن برهن استمرار الدعم لحكومة نتنياهو بوقف دائم لإطلاق النار في غزة، يتكرّر المشهد في أنحاء مختلفة من البلاد منذ أيام، حيث ينصب طلاب خياما في جامعاتهم تنديدا بالدعم العسكري الذي تقدّمه الولايات المتحدة لإسرائيل، والوضع الإنساني في غزّة. ثمّ تعمل شرطة مكافحة الشغب في أحيان كثيرة على إخلائهم بناء على طلب إدارة الجامعة. مجموعات الناشطين نفت بشدة أن تكون الاحتجاجات معادية للسامية، كما يحاول إظهارها بعض المسؤولين من أمثال وزير التعليم الأمريكي ميغيل كاردونا وغيره. وتقول إن هدفها هو الضغط على الجامعات حتى تسحب استثماراتها من الشركات التي تساهم في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. مطالب المتظاهرين واضحة، وقف إطلاق النار في غزة وقطع الاستثمارات المالية المستمرة للجامعات في الشركات التي تدعم الجهد العسكري الإسرائيلي، بل قطع كل علاقاتها مع إسرائيل إن لزم الأمر.
في المحصلة، إن الامتناع عن عمل شيء لوقف أعمال الإرهاب والقتل التي تقوم بها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين العُزل، يرقى إلى الموافقة عليها. مفتاح حل الصراع في الشرق الأوسط يكمن في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وبطبيعة الحال هذا ليس هدف واشنطن المعلن. وما لم تحل المسألة الفلسطينية لن يهدأ الوضع في المنطقة، وتتفاقم كراهية إسرائيل وداعمي هذا الكيان الاستعماري الفاشي.





