إعلامنا اليوم ليس أسوأ من الماضي ولكن..

 

 

 

ذ.محمد بحسي
إعلامي من بلجيكا

 

 

 

كثير من الأصدقاء ربما مجاملة، يقولون لي: “مشات الصحافة معاكوم” أي ولى عهد الصحافة الحقيقية مع جيلكم.
وقد أصدم كثيرا منهم إذا قلت: إن الصحافة في المغرب لم تكن مزدهرة ومتنوعة وغنية من حيث المضمون كما هي اليوم وأن هامش حرية التعبير وحرية النشر لم يكن يوما بالاتساع والفسحة التي عليها اليوم، وأن عدد الصحفيين المهنيين والخبراء في المجالات الاعلامية والمجالات التقنية المرتبطة بها لم يكن يساوي عشر معشار ما هو عليه اليوم …
في عهدنا كان الإعلام الوحيد المتاح في السمعي البصري هو الإعلام العمومي أو شبه العمومي إذا استثنينا ميدي1 التي لم تكن بعيدة عن يد “المخزن”. وفي الإعلام المكتوب لم يكن متاحا إلا الصحافة الحزبية وبعض الاستثناءات القليلة التي كان أصحابها يعانون من قلة ذات اليد ..
وأغلب الصحفيين إنما هم رجال تعليم أو موظفون كانت تستهويهم مهنة المتاعب في حين ان خريجي معاهد وكليات الصحافة والإعلام كانوا عملة نادرة وأغلبهم إما مفرنس أو من خريجي جامعات أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي..
الإعلام الرسمي كان رسميا في كل شيء في أخباره، في انتاجه وحتى في ترفيهه رغم أن العاملين كانوا يبذلون قصارى جهودهم لإخراج منتوج في المستوى رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية ..
والإعلام الحزبي كان يلعب دور البروباغندا المنوطة به رغم بعض الفلتات الجميلة في الملحقات الثقافية والفنية بالخصوص..
واليوم الإعلام شديد التنوع حد التخمة يكتب في كل شيءويصور كل شيء ويناقش كل شيء دون طابوهات بجرأة زائدة أحيانا ..

هنا سيتساءل المتسائل وأين الخلل إذن؟
الخلل في نظري هو ان الإعلام تحول من رسالة إلى تجارة والصحفي تحول من صاحب رسالة إلى صاحب مشروع تجاري. والرغبة في التوعية والتثقيف والتأثير لتغيير الواقع والارتقاء به تحولت إلى رغبة في الإثراء الفاحش والسريع على حساب المباديء وعلى حساب أخلاق المهنة فأصبح مقياس نجاح وسيلة الإعلام ليس مدى تأثيرها الإيجابي في الواقع وإنما عدد المشاهدات والقراءات والإعجابات وما ينتج عنه من مداخل الإشهارات وريع المؤسسات وعائدات وسائل التواصل الاجتماعي..
وفي الوقت الذي كان يجب على الجهات الرسمية أن تتدخل لتؤطر الميدان وتقننه وتضع الخطوط الحمراء (الموجودة بالمناسبة في كل البلدان التي تحترم شعوبها) نجد ان بعض الجهات الرسمية وشبه الرسمية تساهم لأغراض سياسية وحزبية، في تكريس الطابع التجاري والريعي لمجال الإعلام والصحافة الذي من المفروض أن يترفع عن التجارة ويرتفع بأخلاق المجتمع وقيمه …
لهذا حين نصرخ اليوم في وجه بعض زملائنا فإن صرختنا في الواقع ليست صرخة عاتب مخاصم وإنما صرخة مستغيث وصرخة رجل جاء من أقصى المدينة يسعى أن أطفئوا هذه النار قبل تحرق الأخضر واليابس وتحرق في طريقها ما تبقى من قيمنا وهويتنا وحضارتنا …

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...