الطفولة في غزة حرب ودمار ولجوء

 

 

 

 

كتبته الطفلة سارة طاهر العصار مواليد غزة ٩ ديسمبر 2010

 

 

أنه التاسع من ديسمبر من العام 2024 أي بعد 63 يومًا من الحرب على غزة، كان صعب علي تذكر يوم ميلادي وكيف أفعل ونحن وَسَط الأنقاض والخراب والدمار، لكني خضعت لإصرار والداي الإشارة لهذه المناسبة نوع من المقاومة والتصدي وطريق آخر نعبر عنه نحو الثَّبات؛ فاجتمع الأطفال من حينا في غرفة معتمة وعلى ضوء الشموع كان عيد ميلادي الثالث عشر في محيط صامت مثل صمت الموت من حولنا، تخلله صوت أصدقاء والداي من حول العالم الذين أرسلوا فيديوهات معايدة لي في يومي هذا مما رفع معنوياتي حيث شعرت بأننا في غزة لسنا لوحدنا بل هناك كثيرون من أحرار العالم يشعرون بمعاناة الأطفال في غزة.

فكتبت:

هل يمكنني أن أفقد رؤيتي؟ فلا أريد أن أرى نساء ورجال وأطفال في الشوارع المدمرة لا يوجد ما يأويهم ،أعينهم خالية لا توجد بها حياة ، تقتلني من الداخل كيف يمكنهم أن يهربوا من الموت ؟ كيف يمكنهم أن ينسوا ما حدث؟ هل نسوا ام يحاولون أن يكذبوا ما حدث؟

وهل يمكنني أن أفقد سمعي؟ فلا أريد أن أسمع صوت قصف المحتلين على بيوت الناس، فأنا أشعر أنها تحطم قلبي وليس بيوت الناس. انها تدمرني شيئاً بعد شيء هل للإنسان قيمة ؟ هل للأطفال مستقبل؟ هل لي مستقبل لكي أعيشه أم سوف أذهب لكي أقابل ربي ؟ لا أريد أن أسمع صرخات الناس على أحبائهم الذين ذهبو ولن يعودوا، لا أريد أن أسمع صرخات الجرحي على آلامهم التي لا تلتئم في قلوبهم وفي جسدهم. لا أريد أن أسمع جملة أن بيت أحبائكم قد ذهب بمن فيه ، فأنا أعرف اني لن أراهم إلا إذا ذهبت عندهم وحينها أعرف اني لا أريد إلا الذهاب إليهم .أريد أن أشتكي إلى ربي ما يحصل من ظلم، أريد أن أبكي لربي وأخبره بكل شيء. ولكني أعرف أنه عند كل صلاة ربي يحمينا فهو يعرف كل ما في قلبي وعقلي، يعلم بكل كلمة أريد إخراجها من فمي ولكني لا أستطيع

أريد إحتضان أمي و أبي وأخوتي يومًا بعد يوم لا أريد ذهابهم من بين يدي أريد أن أسمع نبضات قلبهم أريد وأريد وأريد ، ولكن لا يكفيني، أريد أحتضانهم بقلبي وروحي و أفديهم بعمري أريد بإخبارهم كلمات لا يوصفها لساني أريد أخبار أمي كم أن ضحكتك تجعل أعيني تريد أن تخبرك اني لا أملُ منها ومن جمالها وكم أن إحتضانك يجعلني أشعر بالدفئ كما لو أنني بالنعيم . وأريد إخبار أبي ان حديثك كل يوم لا أريده أن يتوقف، أريد سماع صوتك كل يوم لا أريد أن أفتقده وكم أنني ممتنة بأب مثلك .

وأريد أخبار أختي الوحيدة أن جمالك وجمال عيناك وجمال فمك وجمال شعرك لا أريد توقف النظر إليه لا أريد أن أتخيل يوما من غيرك ، وأخوي الكبيران أحمد ومصطفى لا أراكم كثير ولكن كل ما أعرفه انه كل ما أشتاق إليكم هو انتم فقط، لا يشغل بالي وتفكيري إلا أنتم. لا تخافو إن ذهبنا ولاقينا ربنا بل يجب عليكم أن تفرحوا فنحن الآن بين أيدي آمنة لا تنسونا لا تبكو فلا يرضى قلبي أن تشعروا بالحزن. أتمنى لكم حياة يمكنكم بها أن تفعلو ما تشاؤون. وأخي محمد أحبك وأحب كل ما بك من خير ولطف وجمال وروعة هل لي أن أتكلم عن طيبتك؟ عن حبك لنا؟

أنتم تعتقدون أن كلماتي تصف كل ما يحدث ولكن هذا ليست إلا لمحة فلا يوجد شخص يستطيع أن يتكلم ويتحدث عن عائلته فإن بدأ لن يتوقف فكيف من فقد عائلته و بقي لوحده هل يمكنه انه يفهم ما معنى عائلة ودفئها في المستقبل إن كان طفل؟ هل سوف يفقد الأمل ؟ وكيف لو أن رجل فقد عائلته زوجته وأبنائه هل سيبقى قلبه كما هوا ام سوف ينفجر من الكلمات التي يريد قولها ؟ هل سوف يعرف أن يعبر؟ ام سوف يذهب إليهم؟ هل سوف يتحكم بنفسه ؟

هل كل ما قلته كان ما في قلبي أم مجرد كلمات عابرة؟

بعد لجوئي وأسرتي إلى القاهرة من غزة حزنت حزنًا شديدًا فرغم أهوال الحرب التي عشت عند خروجي من غزة إلا أنني أشعر أنني فقدت قطعة من روحي وعقلي عند مغادرتي غزة الحبيبة. ما زال الشعور بالعائلة حولي وباصدقائي يأسر تفكيري، أستسلم لهذا الشعور حيث لا يمكنني السيطرة عليه . فأنا لا أستطيع تخيل اني تركت المكان الذي ترعرت فيه ، تركت بيتي الذي أعود إليه مهزومة من تعبي. سيبقى قلبي ينبض بشوق إلى ايامي في الماضي التي يتوق لها عقلي وقلبي ، فهل يعلم الناس إني قد اشتقت إليها كشوق الطفل لأمه ، ربما يقتلني الاشتياق حيث أشعر بأسهم تخترق قلبي عند سماع اسم فلسطين ، كل ما أريده الآن هو أن أعود للنظر لسمائها المليئة بالنجوم لشم هوائها العليل ، لسماع زقزقة العصافير وهي تلهو على أغصان شجرة الزيتون العريقة في ساحة منزلنا. أفتقدك منزلي، أفتقدك غزتي. يغلبني الحنين للحظات من الماضي، لم أكن أعرف كم اني محظوظة ببيتٍ يحميني وعائلة تأويني تحتضنني وتعطيني ذلك الشعور الا متناهي من الأمان والسعادة. يؤسفني أنني إضطررت توديعك وطني الحبيب ودعت عائلتي وأصدقائي وبداخلي ما زلت أريد البقاء ، لا زالت ذكرياتي و تفكيري وشوقي متعلق بك متعلق بكل تلك التفاصيل الصغيرة والكبيرة ، ربما هذه الكلمات قليلة بحقك فلتعذريني ربما يطول البعد ولكني حتما سأعود .. سأعود فخورة بك سأعود رافعة رأسي سأخبر الجميع أني ولدت ببلد يقاتل المحتل من أجل حريته وقضيته العادلة، من أجل مستقبل أفضل. سأخبر الجميع عن ذكرياتي التي عشتها ،عن أجمل ذكريات لا يمكن نسيانها ، عندما كنت أركض بحاراتك عندما كنت ألعب وأتعرف على أشخاص شاركوني طفولتي، وأفضل ايامي وأسوأها، شاركوني عندما كنت أبكي من عدم تحمل الظلم وأصوات البكاء والإنفجارات ،عندما كنت أصرخ لأنني أريد النوم من دون خوف من دون فقدان اي شخص من دون سماع أصوات الصواريخ واصوات هدم البيوت وسقوط الحجارة فوق بيوتنا ، شاركوني بلحظات نجاحي التي ذهبت هباء ولكني أعلم وسأتذكر دائما بأنني من هناك، سلأفتخر دائما بأنني فلسطينية الجنسية غزية المولد، سأتذكر أيام الطمأنينة و الدفء العائلي و ضحكاتنا الصاخبة كما سأتذكر أصوات بكاءنا. سأتذكر كيف كنا لا نبتعد عن بعضنا البعض خوفا من الموت، حيث كنا فقط نرجو أن نموت معاً. سأتذكر كيف أني قابلت أفضل الأشخاص بأسوأ الأيام كنا نستند على يعضنا البعض، لأننا بالنهاية كلنا عائلة واحدة نفدي بعضنا البعض بدمائنا وأرواحنا سأتذكركم يا أقربائي .. وأصدقائي.. ومعارفي

سنلتقي يوما ما يا وطني

سارة طاهر العصار

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...