د. فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري
كلما فتحت منصة من منصات التواصل الاجتماعي سمعت الصرخة نفسها تتردد من المحيط إلى الخليج: لقد سيطر الرعاع على الفضاء العام، واختطف التافهون عقول الناس، وأصبح الشعبويون أصحاب التفاهة والضجيج والاستعراض هم نجوم العصر، بينما تراجع العلماء والمفكرون والمثقفون وأصحاب الكفاءة والرأي إلى الصفوف الخلفية. لكن دعونا نتوقف هنا قليلاً ونطرح السؤال الذي يهرب منه الجميع: من المسؤول عن هذه الكارثة؟ هل اقتحم المؤثرون التافهون المشهد بقوة السلاح؟ أم أن النخب العربية المتخلفة الفاشلة نفسها هي التي أخلت الساحة وسلّمتها لهم على طبق من ذهب؟
من السهل جداً أن نشتم الجماهير ونلعن مواقع التواصل ونبكي على زمن الثقافة الجميل. لكن الحقيقة أكثر إيلاماً. فالمؤثر التافه لم يخلق الفراغ، بل ملأه. وعندما تغيب البدائل الجذّابة، يصبح أي بديل متاح قادراً على احتلال المشهد. الناس بطبيعتها تبحث عمن يخاطبها ويصل إليها ويشغل وقتها ويؤثر في وجدانها. فإذا عجز المثقف عن فعل ذلك، فلا يحق له أن يلوم الآخرين لأنهم نجحوا فيما فشل هو فيه.
لنكن صريحين. جزء كبير من المثقفين العرب يعيشون داخل أبراج عاجية. يتحدثون بلغة لا يفهمها الناس، ويكتبون لأنفسهم أو لأقرانهم، ويتعاملون مع الجمهور بنوع من الاستعلاء الخفي. كثير منهم يريد من الناس أن تصعد إليه، لكنه يرفض أن ينزل إليهم. يريد التأثير دون أن يبذل الجهد اللازم لفهم الجمهور. يريد الاحترام دون أن يخوض معركة الوصول. يريد أن يكون قائداً للرأي العام بينما يقضي وقته في مخاطبة دائرة ضيقة من الأكاديميين والأصدقاء والمتابعين المتشابهين معه.
في المقابل، ماذا فعل المؤثرون؟ مهما كانت درجة تفاهة بعضهم، فقد فهموا قواعد اللعبة الجديدة. فهموا أن الانتباه أصبح العملة الأغلى في العصر الرقمي. فهموا أن الناس لا تستهلك الأفكار فقط، بل تستهلك القصص، والصور، والعواطف والرموز. فهموا أن الهاتف الذكي أصبح أقوى من الصحيفة والكتاب، وأن الفيديو القصير أصبح أسرع من المقال الطويل، وأن التفاعل أهم من الخطابة من فوق المنابر.
أما الإعلام الرسمي، فقصته أكثر مأساوية. لقد فقد تأثيره لأنه فقد مصداقيته لدى قطاعات واسعة من الجمهور. الناس لم تهجر الإعلام التقليدي من باب التسلية فقط، بل لأنها شعرت في كثير من الأحيان أنه لا يعكس واقعها ولا يجيب عن أسئلتها ولا يعبر عن همومها. وعندما يفقد أي إعلام الثقة، فإن أكبر ميزانيات العالم لا تستطيع إنقاذه. الثقة لا تُشترى، بل تُكتسب.
لكن هل يعني ذلك أن المعركة انتهت؟ إطلاقاً. من يعتقد أن المجتمعات محكومة إلى الأبد بمنطق التفاهة لا يفهم التاريخ. ففي كل عصر كانت هناك موجات من الشعبوية والسطحية والضجيج، لكنها لم تمنع في النهاية أصحاب الأفكار القوية من تركِ بصمتهم. المشكلة ليست في وجود التافهين، فهم موجودون منذ فجر التاريخ. المشكلة عندما ينسحب أصحاب القيمة من الميدان ثم يشتكون من سيطرة الآخرين عليه.
الحل لا يبدأ بمحاربة المؤثرين، بل بمنافسة المؤثرين. لا يبدأ بلعن المنصات، بل بإتقان استخدامها. لا يبدأ بإهانة الجمهور، بل باحترامه. فالجمهور ليس غبياً كما يتصور بعض المثقفين. الجمهور يستجيب لمن يقدّم له المعرفة بطريقة جذّابة وقريبة من حياته. المشكلة أن كثيراً من النخب العربية تريد تقديم الأفكار المهمة في قوالب فوقية مملة، ثم تستغرب لماذا لا يتابعها أحد.
المطلوب اليوم ظهور جيل جديد من المثقفين، لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يعرف كيف يسوقها ويقدمها ويحولها إلى محتوى مؤثر. نحتاج إلى مفكر يجيد صناعة الفيديو كما يجيد كتابة المقال. نحتاج إلى أكاديمي يفهم خوارزميات المنصات كما يفهم النظريات التي يدرّسها. نحتاج إلى أصحاب رأي قادرين على خوض النقاشات العامة بلغة يفهمها الجميع دون أن يفقدوا عمقهم أو قيمتهم.
كما أن النخب بحاجة إلى مراجعة نظرتها للجمهور، فاحتقار الناس لا يصنع تأثيراً. من يريد قيادة المجتمع عليه أولاً أن يفهم المجتمع. ومن يريد تغيير العقول عليه أن يتحدث إلى الناس من داخل عالمهم لا من خارجه. التاريخ يعلمنا أن أعظم القادة الفكريين لم يكونوا مجرد أصحاب أفكار عظيمة، بل كانوا أيضاً أصحاب قدرة استثنائية على اختراق الجماهير والتواصل معها بحنكة ومهارة.
ثم هناك نقطة أكثر أهمية. لا يمكن للمثقفين أن يستعيدوا دورهم إذا ظلّوا متفرقين ومشتتين. أصحاب المحتوى السطحي يملكون شبكات دعم وترويج وتضخيم متبادلة. أما أصحاب الفكر والمعرفة فكثيراً ما يستهلكون طاقتهم في الصراعات الصغيرة والحروب الشخصية والنزاعات النخبوية العقيمة، بينما هم يتجادلون، يواصل الآخرون بناء جماهيرهم بالملايين.
إن معركة الوعي في العالم العربي لن تُحسم بالخطب الرنانة ولا بالحنين إلى الماضي. إنها معركة على الانتباه والثقة والتأثير واستغلال وسائل التواصل والتأثير الحديثة التي لا يفهمها ولا يتقنها كثير من المثقفين والمتنورين بعد. ومن يريد أن ينتصر فيها عليه أن يتقن أدوات العصر لا أن يلعنها. وعليه أن ينزل إلى الميدان لا أن يراقبه من الشرفة. وعليه أن يخاطب الناس لا أن يحاضر عليهم ويسخر من عقولهم. وعلى مثقفينا ألا ينسوا أن الحضارة الغربية الحديثة صاغها المفكرون والمثقفون أمثال كانط ونيتشه وسبينوزا وهيغل وهيوم وماركس وديكارت وبقية التنويريين، فلماذا لا يصيغون هم الثقافة العربية الحديثة بدل السخرية من عصر التفاهة. وعلى المثقفين أن يعلموا ألف باء التأثير الثقافي والإعلامي في هذا العصر. ليس مهماً أن تقول شيئاً، المهم كيف تقوله.
وفي النهاية، لعل السؤال الحقيقي ليس: لماذا سيطر التافهون؟ بل لماذا غاب أصحاب القيمة؟ لأن الطبيعة تكره الفراغ، وكذلك المجتمعات. عندما ينسحب أصحاب الفكر من الساحة ويفشلوا في مخاطبة الناس، لا تبقى الساحة فارغة. عندما يتخلى المثقف عن دوره، سيملأ غيره المكان. وعندما يترك العقل الميكروفون، سيلتقطه أي شخص آخر، مهما كانت درجة جهله أو تفاهته.
لذلك فإن الطريق إلى استعادة زمام المبادرة لا يمر عبر الشكوى من الجماهير أو مهاجمة المؤثرين أو البكاء على الأطلال. الطريق يبدأ باعتراف النخب بأخطائها وجهلها أولاً، ثم بالعودة إلى الناس، ثم بخوض معركة التأثير بأدوات القرن الحادي والعشرين. عندها فقط يمكن أن يظهر توازن جديد، لا يلغي المؤثرين ولا يقصي الجماهير، بل يعيد للفكر والمعرفة مكانتهما الطبيعية في قيادة المجتمع وصناعة مستقبله.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.





