يَقينٌ يُولَد بَعدَ الجَنَازَة: فُقَهاءُ الأَثَر بَعْدَ انقِضَاء المَسِير..!
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
بعضُ الخطابات والسرديّات لا يطالها الزمن ولا يشيخ معها القول؛ لا لأنها صلبة البنيان، بل لأنها لم تُرهق نفسها بالاحتكاك بالواقع أصلاً. إنها تتجدّد في كل مناسبة، وفي كل زمان، وفي كل مكان، على هيئة «نظرية مؤامرة» تُكتب بعد انتهاء المشهد، ثم يُطلب من الجمهور الوقوف والتصفيق لها بحرارة، احتراماً لعبقريةٍ تأتي دائماً متأخرة.
هذا، ومن خلال جولة تفقّدية بين ساحات هذا الفضاء المُشاع وأزقّته وشوارعه، نكتشف كل يوم أن حجم الخيال على مواقع التواصل؛ اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً؛ أوسع بكثير من حجم الواقع، وأن بعض العقول ما زالت عالقة في أفلام الأبيض والأسود، بينما الواقع على الحدود المغربية شيء آخر تماماً.
فبحسب آخر الإصدارات الصادرة عن «الأكاديمية العليا للحدس الاستراتيجي العسكري وعلوم التفسير ما بعد الوفاة»، تبيّن؛ ويا لروعة الاكتشاف؛ أن خونةً مجهولي الهوية والزمان والمكان، لكنهم حاضرون دائماً ساعة الحاجة إلى الحبكة، هم من سلموا للمَرّوك جهاز GPS كان يحمله طفل، محمّلاً بصواريخ غراد قرب الجدار الأمني بالمنطقة العازلة، كان بصدد الاستعداد للهجوم على المدنيين الأبرياء بمدينتي السمارة وكلميم.
مشهد مكتمل العناصر… إلى الحد الذي يجعلك تتساءل إن كنّا أمام تقرير استخباراتي أم أمام غرفة كتّاب لمسلسل موسمي بميزانية مفتوحة.
ثم يبدأ الفصل الأسطوري: فجأة، يتحوّل جهاز تحديد المواقع من أداة لالتقاط الإحداثيات إلى خيط «أريادني» حديث (Ariadne’s thread)؛ لكن ليس ذلك الخيط الذي يقود التائه خارج المتاهة، بل خيطٌ أكثر طموحاً، يقود مباشرة إلى النهاية المطلوبة سياسياً وإعلامياً.
الخيط الذي؛ بحسب الرواية؛ قاد الدرون التابعة للقوات المسلحة الملكية لتعبر الجغرافيا والتضاريس والاحتمالات والصدف، وتحلق فوق المسافات والظنون، ثم تهبط بدقةٍ أسطورية لا يملكها إلا كتّاب السيناريو المتعجلون، لتصيب «وليّ عهد الوهم»، الوريث الشرعي لأسرار الكون، وصاحب المكانة والدور المحوري في توازن المجرّات، ومن كان معه من الرفقة.
وعند هذه النقطة، يصبح التحقيق تفصيلاً زائداً، والأسئلة نوعا من سوء الأدب، والوقائع عبئاً على السرد؛ فالمنطق في مثل هذه المناسبات لا يُستدعى ليشرح ما حدث، بل ليوقع شهادة الوفاة.
أما اليقين، فيولد دائماً متأخراً: بعد الجنازة، وبعد اكتمال الرواية، وبعد انصراف الشهود… ثم يظهر المؤلّف أخيراً، لا ليبحث عن الحقيقة، بل ليشرح للجمهور كيف كان يعرف النهاية منذ البداية.
سرديّة لو عُرضت على كاتب أفلام خيال علمي لطلب بعض الواقعية قبل نشرها. ولو كان أصحابها قد انتبهوا إلى أن التكنولوجيا غيّرت قواعد اللعبة، لعلموا أن الحدود المغربية، خصوصاً على مستوى الجدار الأمني والمنطقة العازلة، تخضع لمراقبة دقيقة جداً وصارمة على مدار الساعة، بمستوى يجعل البعض يبالغ قائلاً إنها ترصد خيال سحلية أو أفعى أو حتى نملة قبل أن تتحرك.
كاميرات رقمية مثبتة، وطائرات مسيّرة، ومختلف الطائرات العسكرية، ووسائل رصد واستشعار متطورة، إلى جانب العنصر البشري المزوّد بالمناظير والرادارات وأنظمة المراقبة الحديثة… كلها تجعل أي تحرك في تلك المناطق محل متابعة دقيقة لا غبار عليها. بقي فقط أن نتساءل: كيف استطاع ذلك الـGPS أن يجمع بين الملاحة والاستخبارات وكتابة هذا السيناريو الرديء الإخراج في مهمة واحدة؟
إن زمن «الگيريّة» وحرب العصابات التقليديّة وقطاع الطرق قد انتهى؛ فاليوم يُرصد التحرك قبل أن يكتمل، وتُتابَع الإشارة قبل أن تصل إلى وجهتها. أما القصص البطولية الخارقة، فمكانها الروايات لا الوقائع.
وفي مقابل هذه السرديّات التي تتنفّس خارج الجغرافيا والتاريخ، يبرز سؤال مشروع لا يخلقه الزمن بقدر ما يخلقه تراكم المواقف: لماذا لا يختار هؤلاء الانخراط في الوطن الواحد والمساهمة في استكمال بنائه، كما فعل كثيرون من العُقلاء ممن آثروا العمل من الداخل، وجعلوا من التنمية والإصلاح طريقاً للكفاح الحقيقي؟
أولئك الذين تقاسموا مع سائر المغاربة مشقة البناء قبل ثماره، ذاقوا الأمل كما ذاقوا الألم، وواجهوا التحديات والإكراهات، وساهموا، كلٌّ من موقعه، في تشييد المؤسسات وتطوير البنى التحتية والفوقية، وصناعة ما تحقق من منجزات على أرض الواقع.
فهل يستوي من أفنى سنواته في العمل والإنتاج والمساهمة في البناء، بمن عاش عقوداً على هامش المساعدات الإنسانية وفي انتظار ما يصنعه الآخرون؟ وهل تتساوى تجربة من خاض معركة التنمية بكل تعقيداتها، مع تجربة ظلت أسيرة المخيمات وشعاراتها وسرديّاتها؟
إن قيمة المواقف لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تُنتجه من أثرٍ ملموس في حياة الناس ومستقبل الأوطان. وما يقين ما بعد الجنازة إلا فقه أثر بعد انقضاء مسير، يوقّع فيه الناجي على ما سبق أن قرّره، ثم يغادر المنصة تاركاً الواقع بلا شهود.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





