الهجرة إلى الله حقيقة الهجرة النبوية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د. ربيع العايدي / محاضر في جامعة الزرقاء الخاصة / الأردن .

 

 

إن الهجرة إلى المدينة المنورة تحمل في طياتها معان عميقة .
المتتبع يرى أن الهجرات عبر التاريخ الإنساني كانت سببا في نشوء الحضارات ، وتنوعت الهجرات عبر التاريخ حسب أسبابها :
هجرة حرة ، وترتبط بالغالب بالوضع الاجتماعي والسياسي الذي لا يستطيع تغييره .
والهجرة العلمية ، والتي ترتبط بالغالب بظروف العلم طلبا للعلم ، ففي العصور الماضية كان يصعب التواصل مع العلماء إلا من خلال السفر اليهم ، حتى إن الهجرة العلمية كانت شرطا من شروط تحصيل طلب العلم .
وقد اهتمّ القرآن بهذا النوع من الهجرة وذلك لفهم التاريخ ، قال تعالى :” فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين “.
والهجرة الاقتصادية .
وبقي أن نتحدث عن الهجرة الروحية :
والتي تحمل معنى السير إلى الله والقرب منه روحيا ، وأدواتها كالهجرة المادية .
إن الله تعالى خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله :” يا أيها المدثر قم فأنذر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ” فالآية تطلب من النبي عليه الصلاة والسلام هجرة ذاتيه داخلية ، وهي هجرته من وضعه الحالي إلى وضع جديد .

وأولى خطوات الهجرة إلى الله تعالى :
أولا : التجرد ، أي ترك حظوظات النفس ، ورعوناتها ، مقبلة على الله تعالى .
إن التجرد والتجريد حالة مهمة في السير إلى الله تعالى لذا كانت في الحج ، وفي الصلاة ، وفي الزكاة بترك جزء من المال ، والصوم ، وهكذا ….
وفي المقابل هجرة النبي الكريم إلى المدينة كان فيها ترك للأوطان ، مع تعلق الإنسان بوطنه يتجرد من محبوبه لمحبوب اعظم وأعلى شأنا وهو مرضاة الله ، وفيه معنى قول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ” من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ” .
ثانيا : الصدق في التوجه ، لا يفلح المريد دون الصدق ، مهما كثرت أعماله .
ويقابله في الهجرة النبويه ، أخذه بالاسباب مع غاية الصدق في أن يخرج من بيته أمام أعين المشركين دون أن يروه . لذلك خرج من وطنه لانهم كانوا مضطهدين دينيا ، ومن صدقه عليه السلام انه لم يمارس الاضطهاد الديني في المدينة المنورة .
ثالثا : إن طريق السلوك إلى الله تعالى والسير إليه يحتاج فيه المريد إلى الخلوة ، فقبل الجلوة لا بد من خلوة ، للتعرف على ذاته وحقيقته بعيدا عن تلوناتها .
وهذا ما نراه في الهجرة النبويه بل قل في البعثة المحمدية التي بدأت بغار حراء ، مرورا في طريق الهجرة إلى المدينه بغار ثور ، قال تعالى :” ثاني اثنين إذ هما في الغار ” نعم في الغار خلوة مع الله تعالى وحضور ” إن الله معنا ” وإن الغاية من سلوك الطريق إلى الله الأدب في المعية وهذا ما عبر عنها عالم اليمن وحضرموت الإمام الشيخ عمر بامخرمه من علماء القرن العاشر الهجري عندما قال :
أعط المعية حقها والزم لها حسن الأدب
واعلم بأنك عبدُه في كل حال وهو رب

رابعا : إن الهجرة إلى الله والسير إليه تحتاج إلى الصحبة الصالحة ، فالأخوة في الطريق إلى الله عون لك ، فلا تحولها نفسك إلى بغض وكراهية فتقطعك عن الوصول .
وفي المقابل إن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هجرته الشريفة اتخذ سيدنا عليا وأبا بكر لإتمام انتقاله إلى المدينة المنورة ، سيدنا علي رضي الله عنه ينام مكان النبي عليه الصلاة والسلام ، وسيدنا ابو بكر يرافقه في رحلته .
خامسا : من يبغي السير والهجرة إلى الله عليه أن يعلم أن الطريق لا نهاية له طويل وشاق لكنه مملوء بالحب .
فاجعل زادك وراحلتك في الطريق اليه المحبة .
وهذه رحلته إلى المدينة المنورة احتاج فيها الراحلة ، فجهزها لسفره .
سادسا : لا يمكن أن تسير في طريق دون دليل ، وإلا ضعت في منعرجات الطريق ، إن الدليل في سيرك إلى الله تعالى هو شيخك وهو العالم الرباني الذي يأخذ بيدك لتسير بنور البصيرة اليه سبحانه وتعالى .
فلقد اتخذ رسول الله في هجرته دليلا يدلهم على الطريق ومنعرجاتهم يختصر عليهم الوقت والجهد .
فإياك أن تكون ممن اتخذ له دليلا لدنياه ، وغفل أن يتخذه لآخرته .

وفي الختام :
إن سر الهجرة إلى آلمدينه المنورة والمحرك لها هو الهجرة الروحية والإقبال على الله تعالى ، لذا كانت الهجرة النبوية الحجر الأساس لبناء الدولة المسلمة الحضارية .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...