“ما يكتب عن المغرب في العالم لا يعكس فقط ما يجري داخل المملكة الشّريفة، بل يكشف أيضا كيف يقرأ العالم موقعها في التحولات الدولية. ومن هنا، يأتي هذا الرصد الأسبوعي الذي تعده Italia Telegraph لتتبع صورة المغرب في الصحافة الدولية، ورصد تحولات السردية العالمية، وتحليل دلالاتها بمنهجية مهنية تستند إلى المصادر الأصلية، بعيدا عن الانطباعات و الانفعالات المجّانية و الأحكام المسبقة.”
نبيل التّويول – إيطاليا تلغراف
روما – شهدت صورة المغرب في الصحافة الدولية خلال الأسبوع الجاري تحولا لافتا مقارنة بالأسبوع المنصرم، إذ انتقلت التغطية من التركيز على ملفات التنمية والدبلوماسية والشراكات الاقتصادية إلى هيمنة واضحة لملف الهجرة غير النظامية وأزمة سبتة، وهو ما يعكس طبيعة أجندة الأخبار الدولية التي تعطي الأولوية للأحداث الطارئة ذات الأبعاد الإنسانية والأمنية.
وكان العدد الأول من هذا الرصد قد خلص إلى أن وسائل الإعلام الدولية ركزت، قبل اندلاع أزمة سبتة ، على مواضيع متعلقة بالاقتصاد المغربي، وجاذبية الاستثمار، والاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، إضافة إلى الدينامية الدبلوماسية التي أعقبت التطورات الأخيرة في ملف الصحراء المغربية، فضلا عن مشاريع البنية التحتية والتحول الصناعي الذي جعل المملكة تحظى بحضور متزايد في التقارير الاقتصادية الأوروبية.
أما خلال الأسبوع الجاري، فقد أعادت أزمة سبتة ترتيب أولويات التغطية بصورة شبه كاملة، لتصبح الهجرة وأمن الحدود والتعاون المغربي الإسباني العناوين الأكثر حضورا في كبريات وكالات الأنباء والصحف الدولية.
إذ خصصت وكالة Reuters الجزء الأكبر من تغطيتها لمواقف الرباط ومدريد من الأزمة، مركزة على التصريحات الرسمية المغربية التي أكدت استمرار التعاون مع إسبانيا في إدارة الحدود، وعلى النقاش الدائر بشأن أثر بعض التطورات القانونية داخل إسبانيا على تدفقات الهجرة.
كما أبرزت الوكالة استمرار التنسيق الأمني بين البلدين، مع الإشارة إلى الإجراءات التي اتخذها المغرب لتعزيز مراقبة سواحله الشمالية، مقدمة الأزمة باعتبارها اختبارا جديدا للشراكة المغربية الأوروبية في ملف الهجرة.
أما Associated Press (AP) فقد اتجهت إلى قراءة الأزمة من داخل المشهد السياسي الإسباني، مسلطة الضوء على الجدل الذي أثارته داخل الأحزاب الإسبانية، وعلى الأصوات التي ربطت بين ما جرى ومستقبل التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.
وأبرزت الوكالة، في المقابل، تمسك الحكومة الإسبانية باستمرار التعاون مع المغرب، باعتباره شريكا لا غنى عنه في إدارة أحد أكثر ملفات الاتحاد الأوروبي حساسية.
وسعت صحيفة The Guardian نطاق المعالجة، فلم تكتف بتغطية الوقائع الميدانية، بل حاولت وضع الأزمة ضمن سياقها الأوروبي والدولي، متوقفة عند أثر المعلومات المضللة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعند انعكاسات الأزمة على سياسات الهجرة الأوروبية، ومستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وجواره الجنوبي.
كما تناولت الصحيفة النقاش الأوروبي حول أمن الحدود، معتبرة أن ما جرى في سبتة لا يمثل مجرد حادث حدودي، بل يعكس تحديًا أوسع يتعلق بإدارة الهجرة في غرب البحر الأبيض المتوسط.
في المقابل، حافظت صحيفة Le Monde الفرنسية على مقاربة أكثر تنوعً، إذ لم تجعل أزمة سبتة محور تغطيتها الوحيد للمغرب، واستمرت في متابعة ملفات العلاقات المغربية الفرنسية، والطاقة، وبعض القضايا الاجتماعية والسياسية، وهو ما يعكس اختلافا واضحا في أولويات التحرير بين الصحافة الفرنسية ونظيرتها البريطانية والإسبانية.
من خطاب التنمية إلى خطاب الأزمة
تكشف المقارنة بين الأسبوعين أن المغرب لم يفقد حضوره في الإعلام الدولي، لكنه انتقل من الحضور باعتباره نموذجا اقتصاديا ودبلوماسيا إلى الحضور كفاعل رئيسي في ملف الهجرة وأمن الحدود الأوروبية.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة تبدلا في مكانة المملكة، بقدر ما يعكس طبيعة دورة الأخبار العالمية، حيث تستطيع أزمة إنسانية واحدة أن تستحوذ، ولو مؤقتا، على الاهتمام الإعلامي، فتؤخر تغطية ملفات أخرى لا تقل أهمية.
قراءة أولية
ويخلص هذا الرصد إلى أن السردية الدولية حول المغرب أصبحت، خلال الأسبوع الجاري، محكومة بثلاثة عناوين رئيسية: الهجرة، وأمن الحدود، والتعاون المغربي الإسباني، في حين تراجعت مواضيع الاستثمار والتنمية والدبلوماسية إلى المرتبة الثانية.
وبينما تظل التحولات المتسارعة في أجندة الإعلام الدولي جزءا طبيعيا من دينامية المشهد الإخباري العالمي، فإن التجارب المقارنة للدول التي نجحت في ترسيخ حضورها الدولي تظهر أن حسن إدارة الصورة الخارجية لا يتحقق بردود الفعل وحدها، بل يرتكز على وجود آليات مؤسسية دائمة، مستقلة وذات مصداقية، تتولى الرصد العلمي المنتظم لما يكتب ويقال عن الدولة المغربية في وسائل الإعلام العالمية، وتحلل اتجاهات تشكل الرأي العام الدولي، وتستشرف التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات في الإدراك أو التواصل. ولعل المرحلة التي يمر بها المغرب، بما تحمله من رهانات دبلوماسية واقتصادية وجيوسياسية كبرى، تجعل من الاستثمار في هذا النوع من المعرفة الاستراتيجية خيارا يعزز قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ القرار استنادا إلى قراءة دقيقة للبيئة الإعلامية الدولية، كما يهيئ الأرضية لتطوير صحافة مغربية رصينة، منفتحة على المعايير المهنية المعتمدة لدى كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية، وقادرة على مخاطبة العالم بلغته، وفهم منطقه، والمساهمة في بناء سردية وطنية متوازنة تستمد قوتها من الوقائع، لا من ردود الأفعال.





