تكشف التقارير المالية الرسمية للشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب، الخاصة بسنتي 2024 و2025، عن مفارقة بين ارتفاع حركة السير وتحسن المداخيل والأرباح من جهة، واستمرار بطء تنفيذ مشاريع ترتبط مباشرة بسلامة مستعملي الشبكة وجودة خدماتها من جهة ثانية.
وتبرز الوثائق تأجيل تجهيزات للسلامة، وضعف إنجاز التهيئات فوق الطرق المستغلة، وعدم تنفيذ مشروع إذاعة خاصة بإخبار السائقين، إلى جانب خسائر محتملة بعشرات الملايين من الدراهم بسبب الغش في أداء الرسوم.
وخلال سنة 2024، خصصت الشركة ميزانية استثمارية بقيمة مليارين و54 مليون درهم، لكنها لم تنفذ منها سوى مليار و725 مليون درهم، أي بنسبة إنجاز بلغت 84 في المائة، غير أن هذا المعدل الإجمالي يخفي تفاوتا كبيرا بين المشاريع، إذ تجاوز تنفيذ أوراش البناء الكبرى الميزانية المبرمجة، بينما لم تتجاوز نسبة إنجاز الاستثمارات المصنفة تحت بند “السلامة” 54 في المائة، بعدما صُرف 82 مليون درهم فقط من أصل 152 مليونا.
وكان الأداء أضعف بالنسبة إلى تهيئة الطرق السيارة الموجودة في الخدمة، إذ لم تنفذ الشركة سوى 251 مليون درهم من أصل ميزانية بلغت 530 مليونا، أي بنسبة 47 في المائة، كما لم تتجاوز نسبة إنجاز الأشغال المتعلقة بالمنحدرات والمنشآت الفنية والتطهير 45 في المائة، بينما بلغت نسبة إنجاز التهيئات والأشغال التكميلية 44 في المائة.
وأقرت الشركة في التقرير نفسه بتأجيل بعض تجهيزات السلامة وعمليات رفع المنشآت العابرة إلى سنة 2025، إلى جانب تأجيل تأهيل محطة الأداء بالمضيق وبعض تجهيزات تيط مليل، وهو ما شكل نسبيا مشاكل كبيرة لمستعملي الطرق السيارة بالمغرب.
ولم يتحسن تنفيذ الاستثمار في سنة 2025، بل تراجع المعدل الإجمالي بصورة لافتة، فقد بلغت الميزانية المبرمجة 4 مليارات و170 مليون درهم، في حين توقف المنجز عند مليارين و276 مليون درهم، أي بنسبة تنفيذ لم تتجاوز 55 في المائة، والأكثر دلالة أن التهيئات الخاصة بالطرق السيارة المستغلة لم تحصل سوى على 70 مليون درهم من أصل 540 مليونا، ما يمثل نسبة إنجاز قدرها 13 في المائة فقط.
وفي التصنيف المحاسبي للاستثمارات المنجزة خلال 2025، استحوذت مشاريع توسيع الشبكة على مليارين و125 مليون درهم، بينما لم تتجاوز الاستثمارات المدرجة مباشرة تحت بند سلامة الشبكة 30 مليون درهم، وبلغت تهيئات الطرق العاملة 36 مليونا، وهو ما يكشف بوضوح أن الجزء الأكبر من الإنفاق اتجه إلى التوسعة، مقابل محدودية الاعتمادات الموجهة مباشرة إلى الشبكة التي يستخدمها السائقون يوميا.
ويبرز ملف التشوير بوصفه أحد المؤشرات الدالة على حجم حاجات الصيانة، فقد أعلنت الشركة في تقرير 2025 إعادة إنجاز التشوير الأفقي على مسافة 650 كيلومترا، ونشر 260 كاميرا للمراقبة، خصوصا في المحاور الكثيفة والمناطق التي تصفها الشركة نفسها بأنها “مناطق كثيرة الحوادث”، ومنها منحدرا وادي بهت وأمسكرود.
ويعني اتساع المسافة التي احتاجت إلى إعادة التشوير أن أجزاء مهمة من الشبكة كانت تتطلب تدخلا لاستعادة وضوح الخطوط الفاصلة بين المسارات، وهي تجهيزات أساسية لتنظيم السير، خصوصا ليلا وفي ظروف المطر والضباب.
وتتكرر منذ 2024 مشكلة مشروع إذاعة الطرق السيارة “107.7”، المخصص نظريا لتوفير المعلومات الفورية للسائقين بشأن الحوادث والاختناقات والأحوال الجوية، فقد خصصت له الشركة 20 مليون درهم سنة 2024 من دون تنفيذ أي مبلغ، مبررة ذلك بانتظار حسم صيغة حمل المشروع.
وفي سنة 2025، ارتفعت الميزانية إلى 23 مليون درهم، لكن نسبة التنفيذ بقيت صفرا، ما يكشف تعثرا ممتدا لسنتين في خدمة اتصالية مرتبطة بتوجيه السائقين أثناء الطوارئ.
وفي جانب آخر، أعاد مراقبو الحسابات إثارة مشكلة الغش في رسوم المرور، وبحسب افتحاص أنجزه مكتب “EY وشركاؤه”، تراوح تقدير الغش بين 2.13 و4.95 في المائة من رقم معاملات نشاط الرسوم، بما يمثل خسارة سنوية محتملة تتراوح بين نحو 67.4 مليون درهم و156.6 مليون درهم.
واعترضت إدارة الشركة على التقدير الأعلى، لذلك اعتمد التقرير النهائي التقدير الأدنى باعتباره الأكثر تحفظا، غير أن استمرار إدراج الملاحظة في التقارير المحاسبية يكشف أن مخاطر التهرب من الأداء لم تُغلق نهائيا.
أما أبرز ثغرات الشفافية، فتتمثل في غياب حصيلة سنوية مفصلة للحوادث فوق شبكة الطرق السيارة، حيث أن تقارير الشركة تسرد الكاميرات والحواجز والأسوار وحملات التوعية، لكنها لا تنشر جدولا يقارن عدد الحوادث والقتلى والجرحى أو معدل الحوادث قياسا إلى حركة المرور بين سنة وأخرى.
وتزداد أهمية هذه المعطيات في ظل إعلان الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تسجيل 160 ألفا و347 حادثة جسمانية على الصعيد الوطني سنة 2025، بارتفاع 12.7 في المائة، ووفاة 4 آلاف و577 شخصا، لكن غياب تصنيف منشور خاص بالطرق السيارة يمنع معرفة ما إذا كانت إجراءات الشركة قد خفضت المخاطر على شبكتها أم أن الحوادث ارتفعت بالتوازي مع زيادة حركة السير.
وتظهر هذه المؤشرات أن الإشكال لا يتعلق بغياب البرامج أو الموارد فقط، بل بالفجوة بين الميزانيات المعلنة والتنفيذ الفعلي، وبالأولوية الممنوحة للمشاريع الكبرى مقارنة بصيانة الشبكة المستغلة، إلى جانب الحاجة إلى نشر بيانات واضحة تمكن الرأي العام من قياس نتائج الإنفاق على السلامة، بدل الاكتفاء بتعداد التجهيزات المنجزة.
المصدر: الصحيفة





