ذ.وسام سعادة
كاتب من لبنان
ظفر ماكرون بالرئاسة الفرنسية قبل سبع سنوات لأنه استطاع تهفيت معزوفتين. واحدة يلوكها اليسار مذ قامت «الجمهورية الخامسة» عام 1958، وهي معزوفة تجاوز هذه الجمهورية التي خلع عليها فرنسوا ميتران ذات يوم لقب «الانقلاب المستدام» إلى نظام دستوريّ أكثر ديمقراطية وعدالة، «الجمهورية السادسة».
وثانية دأب عليها اليمين المتطرّف، بخاصة من بعد تصويت أغلبية 51.89٪ من البريطانيين على الانسحاب (البريكسيت) من الاتحاد الأوروبي في استفتاء يونيو 2016. فمع كون البريكسيت بتصميم من حزب المحافظين البريطاني، وفي ظل موقف ملتبس من جيريمي كوربين الزعيم «الشعبويّ» لحزب العمال في ذلك الوقت، ومع كون بريطانيا لم تكن أصلاً قد استعاضت عن الجنيه الاسترليني باليورو، ولا دخلت نطاق شينغان من أساسه، إلا أن اليمين المتطرّف الفرنسيّ اعتقد يومها أنّ «طاقة القدر» فُتحت له في ذلك الوقت، وأنّه ستكرّ سبحة مغادري ومبطلي الاتحاد الأوروبي.
وصل ماكرون إلى سدّة الرئاسة لأنه أظهر أنّ المطالبين بطيّ صفحة الجمهورية الخامسة من جهة، وسحب عضوية فرنسا من الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، لا يفقهون بالتبعات العملية الأبسط لما يطرحون، وأنّ الأسلم الإبقاء على هذه الجمهورية والبقاء في الاتحاد. بدأت مشكلته في المقابل من اللحظة نفسها، كونه ما كان يجد الحلّ لكل كبيرة وصغيرة إلا بتقديم نفسه على أنه «التأليف التجاوزي» بين كل متناقضَين.
فهو اليسار واليمين معاً. ولا هو يمينيّ ولا يساريّ. أدّى عدم توفر الأرصدة الكافية لتغطية هذه المزاعم «التجاوزيّة» النزقة إلى نشوب نوع من حساسية امتعاضية، ثم احتقانية بشكل زاد التهاباً مع الوقت، تجاه «الماكرونية».
اليمين الوسط يحتسبها مؤامرة من اليسار على المجتمع، واليسار يراها أداة ضاربة ضد الطبقات الشعبية.
تمكن ماكرون رغم ذلك من التقدّم على منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية قبل عامين، وهذه تقدّمت قليلاً على المرشّح اليساريّ الشعبوي جان لوك ميلانشون. وعليه، نال ماكرون على أساس «التصويت الجمهوري» له (بمعنى العازل لليمين المتطرف) 73.7 بالمئة من الأصوات عام 2022، أقل بقليل من نتيجته في الدور الثاني لعام 2017. وقد كان رقم 2022 بالتحديد مضللاً، لأنه لا يعكس تفاقم «الحساسية السلبية» الحادّة تجاه ماكرون، يميناً ويساراً، ما لا يتيح الفرصة من ثم لتفكيك هذه الحساسية السلبية، التي وإن تشارك بها اليمين المتطرف مع اليسار الشعبوي فإنها تساهم بشكل عام في دفع المشهد صوب طموحات اليمين المتطرف أكثر فأكثر. والحصيلة أنّ ماكرون أضاع أولاً الأكثرية البرلمانية الموالية له، مباشرة بعد رئاسيات 2022، قبل أن يحل «حزبه» في المرتبة الثانية من بعد اليمين المتطرف والجبهة الشعبية الجديدة» للتحالف اليساريّ.
بعد أن كان ماكرون يمنّي النفس بوسط تجديديّ شبابي النكهة يتجاوز استبلشمنت اليسار واليمين، دخلنا إلى مشهد يترنح فيه الوسط والاستبلشمنت معاً، لصالح اليمين المتطرف بالدرجة الأولى، واليسار الشعبوي بالدرجة الثانية، ومع وجود خطورتين لا واحدة.
خطورة أن يصل اليمين المتطرف إلى السلطة في بلد كفرنسا (وهذه رغم كل شيء ليست خطورة طارئة) وخطورة مباشرة أكثر، وهي أن يتسبب «السدّ الجمهوري» بإزاء هذا اليمين المتطرف في تخفيض حجمه البرلماني بشكل كبير مقارنة بنسبة الأصوات التي نالها مرشّحوه. مع أنّ «التجمع القومي» هو الأول على هذا الصعيد، ومع أنّ المتصدّين له لا يمتلكون أي رؤية في اليوم التالي للدور الثاني لمواجهته، بدءاً من تمكنهم من تسيير حكومة مشتركة ماكرونو- ميلونشونية. بل أنه لو أخذنا الشعارات الاقتصادية – الاجتماعية على محمل الجد، وحيّدناها عن أي اعتبار آخر، لظهر أن أقصى اليسار هو أقرب إلى أقصى اليمين اليوم من التلاقي حولها. لكن هذا التلاقي صعب التصور ليس لأن هناك غرائز أيديولوجية ترفضه، بل لأن هذه الشعارات مساقة من الأساس كما لو أنها تعفي نفسها من واجب التحقق! وليس كل ما يسوقه ماكرون تجاه «اجتماعية» الراديكاليتين، اليمينية واليسارية، قائم على التضليل. في الحالتين ليس من الواضح كيف يمكن تسديد الفاتورة الاجتماعية لهذه الإصلاحات.
يقترب المشهد الفرنسي من حدود المعضلة، لا اليمين المتطرف معه أكثرية الفرنسيين حتى الآن، ولا صلاحية لنظام سياسي يكاد ينحصر بالصدّ الدائم لأكبر أحزاب فرنسا عن الحكم، والرضوخ أكثر فأكثر إلى شعارات هذا اليمين المتطرف، وفي كل مرة، من خلال «الاحتيال على الذات» بأن هذا الرضوخ هدفه سحب البساطة من تحت هذا اليمين المتطرف.
وهكذا يخوض «التجمع القومي» يتقدمه جوردان برانديلا الاستحقاق الحالي مطالباً بإلغاء القانون الترابي لنيل الجنسية، إنما بعد أن سبق للبرلمان الفرنسي أواخر العام الماضي أن قلّص ترابية اكتساب الجنسية إلى أكبر حدّ. هذا مع التنبيه إلى أن اكتساب الجنسية «ترابيّاً» وليس بالدم، لم يكن من عنديات الثورة الفرنسية ولا العقد النابليوني. بل اعتمدته الجمهورية الثالثة عام 1889 في سياق كانت تشجع فيه الإيطاليين والإسبان والمالطيين على الاستيطان في الجزائر الفرنسية، ولأجل أن يكتسب أبناء هؤلاء الجنسية الفرنسية مباشرة!
أما اليمين «غير المتطرف» في فرنسا فحاله «تصعب على الكافر». نصفه ارتمى في أحضان اللوبانيين، بل يسابقهم على الطرح، ويزيد عليهم، في حالة إريك سيوتي، المطالبة بذكر الأصول المسيحية لفرنسا في مقدمة الدستور الفرنسي العلماني وبتجريم نقد الصهيونية كلّها على بعضها! أما النصف الآخر من حزب «الجمهوريين» الديغولو-ساركوزوي هذا فيعيش تحت وطأة «الوسواس القهري» من معاداة السامية.
بريطانيا في المقابل من بعد ثماني سنوات على استفتاء مغادرة الإتحاد الأوروبي تبدو مواظبة على «ثنائية الحزبين الاستبلشمنتيين» وإن يكن على نحو فيه صخب. فبعد أربعة عشر عاماً من حكم المحافظين جاءت هزيمتهم مدوّية بالأمس.
لكنهم هزموا على يد كير ستارمر رائد عملية اجتثاث «الشعبوية اليسارية» من حزب العمال، ومحو آثار مرحلة قيادة جيريمي كوربين للحزب.
كوربين كان حاجة «لاواعية» للحزب، لاستعادة الهوية الاجتماعية التي تخفّف منها طوني بلير. لكن «العودة إلى الجذور» عند كوربين نكبت نفسها بالجرعات الزائدة. اتسعت شريحة أعضاء الحزب في ظل رئاسة كوربين له، لكن الحزب ككل مني بهزيمة انتخابية كبرى عام 2019. لم يولّد كوربين الانطباع بأنه قابل لأن يدير دفة الحكم، وجرت شيطنته باتهامه بمعاداة السامية نظراً لمواقفه «غير الاستعمارية» تجاه فلسطين.
نجح ستارمر في المقابل، ومن بعد إقصاء كوربين، في اقتناص «ضجر» الناس من طول أمد المحافظين في الحكم، ومن تظهير صورة أنه قادر من بعد إعادة حزب العمال إلى ضفة «السويّة» على متابعة الروحية نفسها في رئاسة الحكومة، بشيء من العودة للصيغ الطوني-بليرية. هذا في حين لم يختف كوربين تماماً عن المشهد بل نجح في فرض نفسه ضمن مجلس العموم، كمرشح مستقل يتمكن من إقصاء مرشح «العمال» الرسمي. اليمين المتطرف البريطاني دخل إلى المجلس بمجموعة نواب، لكنه، بالمقارنة مع أحوال القارة، ما زال ظاهرة «تحت السيطرة» بخاصة وأن «حزب المحافظين» رغم الهزيمة القاسية التي مني بها، إلا أن ما زال الأقدر على مقارعة الحكومة «العمالية» وعلى الاستعداد لجولات جديدة من التداول على السلطة. أحزاب الاستبلشمنت البريطانية قد تستعين بمحفزات شعبوية، لكنها تستهلك هذه المحفزات وتتجاوزها.
أحزاب الاستبلشمنت الفرنسية ليست هذه حالها. فهي من أساسها هشّة. فلا الحزب الاشتراكي بالشكل الذي أعاد فرنسوا ميتران بناءه مطلع السبعينيات يقارن بحزب العمال البريطاني أو الاشتراكي الديمقراطي الألماني لا من ناحية انبثاقه عن قاعدة عمالية، ولا من ناحية استناده إلى تراكم سياسي حزبي طويل، ولا الجنرال ديغول، على اليمين، كان يحب الأحزاب، بل يفضّل عليها فكرة «التجمعات» المستظلة بزعامات وارفة، أي مجاميع من الأعيان إذا شئنا الاستعانة ببعض من ذكريات مجلس المبعوثان العثماني! السمة «الأعيانية» تطغى، من أول «التجمع من أجل الجمهورية» حتى آخر «الجمهوريين» الساركوزيين و«النهضويين» الماكرونيين. كذلك «الحزب الاشتراكي» طبعته هذه السمة إلى حد كبير. المصفاة الحزبية في النظام البرلماني البريطاني تعمل بشكل أكثر كفاءة. وربما بادعاء أقل طالما أنه لا حاجة إلى كل هذا التصوف الذي تدمن عليه فرنسا تحت مسمى «الإيمان بالجمهورية». مشكلة بريطانيا في مكان آخر. استعجلت ترك القارب الأوروبي المشترك. لا هي استعادت عافيتها من بعد هذا الهجر، ولا القارب استعاد توازنه.





