أثرياء فقراء.. الأسعار تلتهم مائدة الأسرة الإيرانية

إيطاليا تلغراف متابعة

طهران– في شارع “فدائيان إسلام” جنوبي العاصمة الإيرانية طهران، وقفت امرأة في الخمسينيات من عمرها تتأمل كيسا من الأرز ثم تنظر بإمعان إلى سعره قبل أن تنصرف وهي تتنهد وتقول “كان للتضخم نصيب في دخل أسرتنا منذ عقود، لكنه يكاد يقضي على المائدة هذا العام. جميع البضائع تضاعفت أسعارها”.

لم يعد هذا المشهد استثناء في طهران هذه الأيام، فبعد أن كشفت أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني عن قفزة مروعة في تضخم المواد الغذائية لشهر “تير” في التقويم الإيراني (21 يونيو/حزيران إلى 20 يوليو/تموز) بحدود 128.1% على أساس سنوي، تحولت الأسواق إلى حسرة صامتة، لا سيما أن مؤشر التضخم الخاص بثماني مجموعات غذائية رئيسية لمائدة المواطن العادي من أصل 10 مجموعات تجاوز حاجز 100%، في حين استقر تضخم المجموعتين المتبقيتين عند عتبتي 98.5% و86.6%.

وتقول المرأة التي عرّفت نفسها باسم “شيلا” -وهي أم لثلاثة أبناء وتوشك على التقاعد في وزارة التعليم الإيرانية- للجزيرة نت “قبل عام، كنت أشتري احتياجات البيت الشهرية بكامل راتبي. واليوم، مبلغ الراتب مع زيادته السنوية لا يكفي لشراء احتياجات المائدة فقط. أسعار المواد الغذائية تضاعفت مرات عدة، ولم أعد أعرف ماذا أطبخ. كل مرة أغادر السوق وأنا أحمل أقل مما كنت أشتري”.

ارتفاع يومي

في الشارع ذاته، حيث تقطن الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، التقت الجزيرة نت الشاب مازيار (45 عاما- موظف في شركة خاصة) لدى خروجه من أحد أكبر متاجر المواد الغذائية جنوبي العاصمة طهران، حيث قال بصوت متعب “فور تسلمي الراتب أسرع لشراء احتياجات البيت لا سيما المواد الغذائية خشية ارتفاع أسعارها غدا”، ثم يبتسم قبل أن يتابع “قد تبدو نكتة مضحكة لكنها للأسف مأساة مُرة”.

وبينما كان يحمل بيده أكياسا بلاستيكية، أوضح للجزيرة نت أن ما أضحى يشتريه هذه الأيام قد لا يساوي ثلث ما كان يشتريه شهريا خلال الأعوام الماضية، مضيفا “لا تنظر إلى عدد الأكياس وحجمها، فقد عزفنا عن شراء اللحوم الحمراء والأرز الإيراني المرغوب والزيوت ذات الجودة العالية التي كانت لا تفارق مائدتنا”.

لا يقتصر هذا المشهد على جنوبي طهران حيث تزداد العائلات المحدودة الدخل، ففي ساحة تجريش شمالي العاصمة الإيرانية، يقول محمود (63 عاما) وهو صاحب متجر للمواد الغذائية “الأسعار تتغير كل يوم، وكلما أفتح المحل صباحا أجد أن سعر الجملة ارتفع مقارنة مع الأيام القليلة الماضية، والزبائن وأغلبهم من الأثرياء صاروا يأتون ليسألوا عن السعر في حين كانوا يشترون بصرف النظر عن السعر خلال الأعوام الماضية”.

أثرياء فقراء

وفي حديث للجزيرة نت، اعتبر طلب بعض زبائنه شراء بعض البضائع بالدين ظاهرة مستحدثة في هذا الحي، مستدركا “كيف لي أن أبيع بالدين وأنا لا أعرف سعر الغد؟ أنا تاجر منذ أكثر من 40 عاما، لم أرَ ظروفا كهذه. حتى في سنوات الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كانت الأسواق تحافظ على حد أدنى من الحركة الشرائية اليومية، لكن اليوم أمسى السوق في حالة موت سريري”.

وفي سوق الفواكه والخضار القريب، تقول مريم (34 عاما) وهي مهندسة معمارية “قبل عامين، كنت أذهب إلى السوق وأملأ العربة من دون تفكير. واليوم أحسب كل ريال. أنا وزوجي نعمل في شركات كبيرة بالقطاع الخاص، ومع ذلك لم نعد قادرين على العيش كما في السابق”.

وأضافت للجزيرة نت “عتبة الفقر في مدينة طهران ارتفعت إلى 900 مليون ريال، مما يعني أننا قد ننزلق قريبا تحت هذا المؤشر المخيف. كنا ضمن العائلات المرتفعة الدخل حتى قبل عامين، لكننا صرنا اليوم أثرياء فقراء -علی حد تعبيرها- بمعنى أن لدينا سيارات فاخرة وبيوتا فارهة، لكن رواتبنا لم تعد كما كانت”، مؤكدة أنها لأول مرة أصبحت تشتري الفواكه بالحبات، وهو سلوك لم تعتد عليه حتى الآن.

ولم تكن أرقام الأسعار مجرد مؤشرات جافة -وفق مريم- بل أضحت أشبه بخريطة دمار لمائدة الأسرة الإيرانية، موضحة أن الأرقام الرسمية للتضخم لا تعني شيئا سوى أن فاتورة الطعام التي كانت الأسرة تدفعها قبل عام واحد فقط صارت تكلفتها اليوم أكثر من ضعفين، مشيرة إلى أن اضطرار المواطن العادي إلى حذف صنف كامل من المواد الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار ليس سوى “اختزال تضخمي لمأساة إنسانية”، على حد تعبيرها.

مؤشرات التضخم

وبالعودة إلى أرقام مركز الإحصاء الإيراني، يتضح أن التضخم شمل معظم السلع، وهو ما يحوّل الغلاء إلى قاعدة بعدما كان استثناء خلال الفترة الأخيرة.

وتأتي أسعار الزيوت والدهون على رأس القائمة، وكأنها تقود سباقا نحو قمة الغلاء، مسجلة تضخما نقطيا بلغ 261.5%، في بلد يعتمد فيه الطبخ المنزلي أساسا على الزيت.

وتليها في الترتيب مجموعة الألبان لا سيما الحليب والجبن بتضخم بلغ 147.1%، في الوقت الذي تعتمد فيه الأسر الإيرانية على هذه الأغذية أساسا في وجبة الإفطار. أما اللحوم الحمراء والبيضاء ومشتقاتها فقد سجلت تضخما بنسبة 145.2%، ليتحول البروتين الحيواني إلى سلعة لا يستطيع المواطن العادي شراءها بسهولة.

ولم يسلم الخبز -المعروف في طهران بأنه قوت الفقراء الأول- من ارتفاع الأسعار، فقد بلغ تضخم مجموعة الخبز والحبوب 116.7%، في حين تسير مجموعة الفواكه والمكسرات بشكل مواز حيث لامس تضخمها 115.4%، والمشروبات المعدنية والغازية بـ101.7%، والسكر والحلوى بـ101.2%.

أما تضخم الأسماك فوقف عند عتبة 98.5%، في حين سجلت الخضروات والبقوليات تضخما بلغ 86.6%.

وحتى هذه الأرقام -التي قد تبدو أقل في هذا المشهد الملتهب- لا تزال تعني أن أسعارها تضاعفت تقريبا في بلد يعاني حصارا بحريا وحربين متتاليتين وانهيارا في قيمة العملة الوطنية، حيث بلغ سعر الصرف بحدود ظهر اليوم الثلاثاء 1.925 مليون ريال للدولار الواحد.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...