عاشوراء.. شهادة وبشارة لغزة والمسلمين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. عصام تليمة

 

 

يصوم كثير من المسلمين يوم عاشوراء، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي حث على صيام هذا اليوم، فأمر بصيامه، ثم طلب إليهم أن يصوموا معه التاسع، فقد نوى إن أحياه الله تعالى لعام مقبل، أن يصوم التاسع والعاشر، وسبب صوم ذلك اليوم، أنه يوم نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، في قصة مشهورة، أغرق الله فيها فرعون في البحر، ونجى الله موسى عليه السلام، في يوم عاشوراء.

وهذا اليوم لا يحمل دلالة واحدة فقط نقف أمامها، بل يحمل دلالات عدة، سواء على المستوى الديني، أو المستوى البشري والدنيوي، من حيث عبرة التاريخ، وعبرة سنن الله في الكون والمجتمع، في هلاك الظلمة، وكيف ينصر الله المظلومين؟ لكننا نركز في مقالنا على درسين مهمين يتعلقان بالواقع الذي نعيشه، في ظل هذا الصراع مع الصهاينة، وحربهم ضد غزة، ودلالات يوم عاشوراء بالنسبة لغزة والمسلمين بوجه عام.

إن أول درس في يوم عاشوراء، أنه شهادة عملية للمسلمين، ولأهل غزة خاصة، أن ما يدعيه الصهاينة، من أن المسلمين على مستوى العالم، والفلسطينيين -وفي القلب منهم الغزاوية- هم معادون للسامية، أي: اليهودية، كلام محض كذب، لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بأن التهمة ذاتها فرية كبرى، لأن العرب ساميون، فكيف يتهم الساميون بالعداء للسامية؟!

هذه ناحية، ربما يكثر حولها الجدل، لكن ما لا يحتاج لكثير من الجدل والنقاش، هو ما يقوم به المسلمون عمليًا، حيث يصومون يوم عاشوراء، وهو يوم عيد قومي بالنسبة لليهود، وهو عيد الفصح (بيسح)، الذي يحمل ذكرى دينية محضة، يعتزون بها، ويدرسونها أبناءهم، وهو من أعيادهم الرئيسة، ومدته سبعة أيام، يحظرون العمل في اليوم الأول والأخير منه، والمسلمون يصومونه، لأنه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يوم نجى الله فيه موسى، وقال: “نحن أحق بموسى منهم”.

وهو موقف الإسلام من الرسل والأنبياء السابقين جميعهم، فلا يصح إيمان مؤمن إلا بالإيمان بهم جميعًا، ولا نفرق بين أحد منهم، ومن تأمل كثيرًا من عبادات الإسلام، سيجدها تحمل نوعًا من الوفاء للرسل، فالحج معظم شعائره متعلقة بأسرة نبي الله إبراهيم، وكذلك صوم يوم عاشوراء، متعلق بنبي الله موسى.

والمسلمون يصومونه، وهم يعلمون أنه شكر لله تعالى على نجاة الله لنبيه موسى، وهو وفاء متبادل، ففي ليلة المعراج، حين فرض الله على نبينا صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة، لقيه نبي الله موسى، وطلب منه أن يرجع ويسأل ربه التخفيف، لأنه يصعب على قوم الإتيان بخمسين صلاة في اليوم والليلة، رغم أنها ليست مطلوبة من موسى عليه السلام، ولا من قومه، لكنه الارتباط والوفاء بالمبادئ والنصيحة لله، لكل الناس، وهذا هو الإيمان الحقيقي الذي لا يتعصب لأحد.

فهذا الصوم ينفي تمامًا ما يرمى به المسلمون بالباطل بالعداء لأي دين، أو للسامية، فهل يعقل أن نرى يهوديًا يصوم رمضان، مشاركة للمسلمين، فنقول عنه: إنه معاد للإسلام؟! الحال نفسه، يقال بجلاء عن صوم هذا اليوم.

أما البشارة التي تحملها عاشوراء وذكراها لكل مظلوم، وبخاصة أهل غزة والمسلمين، فإن الله تعالى نجى موسى وقومه، حين أدركه فرعون، وأصبح الموقف صعبًا، فالعدو (فرعون) من خلفه، والبحر من أمامه، وصوّر القرآن الكريم المشهد بما يدل على حالة الرعب والقلق لدى قوم موسى، {فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ. قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ ‌مَعِيَ ‌رَبِّي سَيَهۡدِينِ. فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} الشعراء: 61-63.

إن الآيات هنا تبيّن، أن الإنسان يطلب المعجزة لنصره، ولخلاصه من الظالم، وربما يغفل أن أداة نصره ومعجزته بيده، فالعصا كانت بيد موسى عليه السلام، ولم ينتبه قومه أن نصرهم بيدهم، لا يحتاج سوى إرادة وعزيمة، وصبر وثبات على الأمر، وأن المعجزات وحدها ليست أداة انتصار الإنسان، فهي مرهونة بوقت معين، وظروف معينة، ومع الرسل.

عاشوراء تحمل هذه البشارة لكل صاحب حق، يصبر على حقه، ويناضل من أجله، ويأخذ بالأسباب لنصره، مهما كانت قوة عدوه، فقد كانت قوة فرعون مقارنة ببني إسرائيل لا يوجد أدنى درجات القوة، ففرعون يملك قوة مادية، وتأييدا جبارًا من الناس، بينما كان موسى عليه السلام وقومه لا يملكون سوى القوة المعنوية: الإيمان بالله، والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب.

إنها معادلة مهمة في المعارك التي يخوضها أصحاب الحق في كل زمان ومكان، أن يعد الإنسان ما يستطيع من الإعداد، المهم ألا يدخر جهدًا دون بذله، ثم يأتيه المدد والعون من الله تعالى، وقد تكون أداة نصره بيده، فعليه أن ينتبه لما يمتلك، وهو ما نراه في حرب غزة منذ نشوبها، الناس تتساءل عن سر الثبات والصمود، رغم حرب يخوضها العدو مؤيدًا من قوى عالمية وإقليمية ومحلية، ومع ذلك يمنى بالهزائم.

عاشوراء، ليست مجرد ذكرى يكتفي المسلمون بصومها، بل هي حادثة ملهمة، فيها دروس جمة، لمن يقف عليها، ولم يقص القرآن الكريم مثل هذا القصص لمجرد التسلية، بل لتكون عبرة وعظة في واقعنا، حيث قال تعالى: {لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ ‌عِبۡرَةٞ ‌لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} يوسف: 111.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...