الثوابت الدينية للهوية المغربية المذهب المالكي نموذجا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 من إعداد: الدكتورة بوكرامي رشيدة جامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغرب
 خريجة دار الحديث الحسنية

 

 

الكلمات المفتاحية : الثوابت الدينية – المذهب المالكي – الهوية المغربية

الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بجلاله وسلطانه والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وإمام المتقين والمبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وذريته أجمعين ومن تأسى به واتبع سنته وهديه إلى يوم الدين.
وبعد،
إن من مقاصد الدين وغايات الشريعة ترسيخ الانسجام الروحي والائتلاف الفكري ولهذا ضبط العلماء أمر الخلاف العلمي فميزوا بين الكليات القطعية التي ليست محل اختلاف عند جميع المسلمين، وبين ما يحتمل الخلاف بسبب ظنية النصوص، وبسبب اختلاف الزمان والمكان بناء على اجتهادات المجتهدين.
فأما الشق الأول فهو أصول الشريعة التي يتفق عليها المسلمون ولا يجوز التوقف فيها لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة. وأما الشق الثاني فهو مجال لاختلاف العلماء المجتهدين.
وبناء عليه ظهرت المذاهب الفكرية والفقهية عند المسلمين منذ زمن التابعين، ولئلا يكون هذا الاختلاف سببا للتنازع بين المسلمين، اختار كل بلد من البلدان الإسلامية بعد ضبط الأصول العامة منهجا في الاختيار يجتمع أهل البلد الواحد على مذهب واحد حفظاً للوحدة واتقاء للفتنة.
ومن جهة العمل نص العلماء على وجوب التزام مذهب البلد خاصة في الأمور العامة التي يجتمع عليها الناس مثل أحكام الأسرة والأعياد، والبيوع والمعاملات ونحوها من الأمور العامة التعبدية والمدنية، وأما الفتوى من اختصاص علماء البلد.
 أولا: مدخل مفاهيمي
1. مفهوم الثوابت
الثوابت لغة جمع ثابت، وهو الراسخ والمتين والمقرر والمؤكد، والمستقر الذي لا يتغير ويقابلها المتغيرات والثوابت هي الأشياء التي لا تتغير ولا تتبدل بتبدل الزمان والمكان.
ومن هنا يمكن تحديد مفهوم الثوابت الدينية، فهي القطعيات ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة بينة في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا مجال فيها لتطوير أو اجتهاد ولا يحل الخلاف فيها لمن علمها .
والثوابت عند المغاربة يقصد بها تلك الاختيارات والقناعات التي كان عليها المغاربة والتي حددها علماؤهم اعتقادا وعملاً وأخلاقاً.
2. مفهوم المذهب المالكي.
المذهب في اللغة مصدر ميمي يطلق على الطريق، ومكان الذهاب وزمانه.
ونقل عند الفقهاء من حقيقته اللغوية إلى الحقيقة العرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية.
والمذهب المالكي هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله من الأحكام الاجتهادية استنتاجا واستنباطا وكذلك قال القرافي المالكي رحمه الله: مذهب مالك ما اختص به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية ، ومن ثمة فالمذهب المالكي يعتبر من الثوابت المغربية التي اختارها المغاربة لتحصين أنفسهم والحفاظ على وحدتهم، وضمانا لأمنهم واستقرارهم. فكان هو المذهب السني الرسمي للدولة المغربية لما يمتاز به من خصائص كالوسطية والاعتدال والمرونة والتجديد.
وقد انتشر بالمغرب في عهد المولى إدريس بن عبد الله الذي أمر بنفسه بالاقتصار عليه والذي قال عنه: نحن أحق باتباع مذهبه، وقراءة كتابه يعني الموطأ للإمام مالك، إمام دار الهجرة الذي انتهى اليه فقه علمائها، وخاصة الفقهاء السبعة ولكون منهجه أشمل وأكثر انفتاحا ووسطية بخصوص وسائل استنباط الأحكام.
 ثانيا: أسباب اختيار المغاربة للمذهب المالكي
اختار المغاربة منذ ما يزيد على اثني عشر قرنا المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة المغربية، إضافة إلى اختيارات الأمة المتمثلة في العقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي لذا ظل المذهب المالكي إلى يومنا هذا شعارا من شعارات الدولة المغربية يعبر عن الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية، بل إنه تحول الى مدرسة تربوية ساهمت في بناء الشخصية المغربية بكل مميزاتها وخصائصها. فماهي أهم الأسباب التي جعلت أهل المغرب والأندلس يتمسكون بالمذهب المالكي سلوكا وفقها ومنهجا؟
لأجل ذلك اهتم العلماء قديما وحديثا بالبحث في هذا الموضوع وحاول كل منهم رصد أهم تلك الأسباب نجملها في الاتي:
1. أسباب ذاتية ترجع الى شخصية مؤسس المذهب.
فالإمام مالك هو عالم المدينة وفقيهها إليه انتهى علم أهل المدينة وعلمهم بلغ درجة الاجتهاد المطلق، عرف عنه تمسكه الشديد بالسنة الصحيحة وبآراء الصحابة والتابعين إذ جمع بين الفقه والحديث كل ذلك جعل أهل المغرب يقتنعون برأيه ويتمسكون بمذهبه.
2. ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب ومساندة السلطة للفقهاء المالكية.
ظل أهل المغرب ملتزمين بالمذهب المالكي على مستوى الحكم، فأضحى مذهبهم الرسمي منذ عهد الادارسة إلى يومنا هذا مما يدل على أصالته وقدرته على التكيف والاستمرارية.
3. الاسباب التي ترجع الى خصائص موضوعية ومنهجية يمتاز بها المذهب تشبت المغاربة بالمذهب المالكي.

إن تشبت المغاربة بالمذهب المالكي أكثر من اثني عشر قرنا راجع إلى تميز هذا المذهب من حيث محتواه العلمي ومضمونه الفقهي ومنظومته التربوية بصفات جعلته آهلا لأن يتبع ومن تلك المميزات:
سعة أصوله وكثرة قواعده فهو قائم على أصول نقلية وعقلية وأخرى ترجع إلى الأعراف والعادات أصول وقواعد تتصف بالمرونة مما جعلها تضمن لهذا المذهب صلاحية دائمة على استيعاب التطورات واحتواء المستجدات.
إضافة إلى ذلك كثرة أتباع المذهب المالكي وكثرة التصنيف فيه تأصيلا وتفريعا دليل واضح على جدارة هذا المذهب واستحقاقه بأن يكون محلا للاتباع والتقليد.
ثم ان هذه الخصائص الموضوعية التي تميز بها المذهب المالكي سمحت أن تكون له تطبيقات واسعة على ارضية الواقع لبث الحلول للنوازل والأقضية فمنحت المذهب قيمة عملية وعلمية في غاية من الاهمية والقدرة على استيعاب القضايا والمستجدات والتكيف معها.
وهكذا اختار المغاربة عبر تاريخهم المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة والأمة فتحول إلى ثابت من الثوابت الرئيسية للهوية المغربية إلى جانب العقيدة الأشعرية والتصوف السني وإمارة أمير المؤمنين، والتي أسهمت في تطور المغرب تاريخيا في مختلف المجالات فكان جلالة الملك محمد السادس حفظه الله دائما يذكر بأهمية المذهب المالكي باعتباره أحد الثوابت الدينية للأمة المغربية في خطبه أو من خلال الدروس الحسنية التي تلقى بين حضرته.

معجم الغني الزاهر لعبد الغني ابو العزم منشورات مؤسسة الغني س 2013م
– الثوابت والمتغيرات د صلاح الصاوي ص 33 المنتدى الاسلامي ط 1/ 1414ه
– الاحكام في تمييز الفتاوى عن الاحكام و تصرفات القاضي والامام للقرافي ص 220 اعتنى به عيد الفتاح أبو غدة دار البشائر الاسلامية بيروت / لبنان ط 2 س 1995م

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...