ذ.عبد القادر الفرساوي
على مدار عقودٍ طويلة، بين عامي 1947 و1991، عاش العالم على حافة الهاوية في حرب باردة لم تندلع فيها النيران بشكل مباشر، ولكنها اشتعلت في قلوب القادة والمواطنين على حد سواء. كان واشنطن وموسكو يتبادلان رسائل غير مكتوبة بلغة الصواريخ النووية وتهديدات التدمير المتبادل، حيث كانت كل خطوة تُحسب بدقة وكأنها رقصة على خيط رفيع فوق بركان ثائر.
كان الردع النووي هو سيد الموقف، فمجرد التفكير في إطلاق صاروخ واحد كان يعني النهاية للجميع. كانت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 إحدى اللحظات الفارقة التي أظهرت للعالم أن القوتين العظميين يمكن أن تقفا على شفا حرب نووية مدمرة، ومع ذلك، بقيت الصواريخ في مخابئها، وغرقت أحلام الدمار في بحار السياسة والحسابات المعقدة.
الحرب الباردة لم تكن مجرد حرب صامتة بين القوتين العظميين، بل كانت معركة ملحمية على مسارح العالم الثالث، حيث دعمت كل قوة الجبهات التي تناسب مصالحها. كانت آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية ساحات حرب بالوكالة، حيث سقط الضحايا دون أن يعرفوا أنهم جزء من صراع أكبر لا ناقة لهم فيه ولا جمل. انتهت تلك الحقبة بانهيار الاتحاد السوفيتي، وساد الاعتقاد أن العالم قد نجا من كابوس كان يمكن أن يفني البشرية.
لكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، عاد شبح الحرب الباردة ليطل برأسه من جديد، هذه المرة بأقنعة جديدة ووجوه مختلفة. بدأت الفصول الأولى من هذا الصراع الجديد في أوكرانيا عام 2014، حينما قررت روسيا بقيادة فلاديمير بوتين ضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، مُعلنة بذلك عودة الأساليب القديمة في السيطرة على الأراضي بالقوة.
بينما يتصاعد الصراع في أوكرانيا، يُلاحظ أن روسيا تعتمد على كل الأساليب الحديثة للتدخل والسيطرة دون اللجوء للأسلحة النووية التي لا تزال سلاح الردع الأخير. اتخذ بوتين من الهجمات الإلكترونية والإعلام الموجه أدوات لتشكيل العالم من جديد وفق رؤيته. من دعم الحركات الانفصالية في أوروبا إلى التلاعب بنتائج الانتخابات في دول غربية، كانت روسيا تُعيد ترتيب القطع على رقعة الشطرنج العالمية، مقتربة خطوة خطوة من هدفها بزعزعة استقرار خصومها من داخلهم.
اليوم، نعيش في عالم متشابك ومضطرب أكثر من أي وقت مضى. حيث لم تعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما اللاعبين الوحيدين، بل دخلت الصين بقوتها الاقتصادية الجبارة لتتحدى الهيمنة الأمريكية، في حين تُعيد روسيا تشكيل خارطة نفوذها من جديد عبر تحالفات مع دول مثل إيران وفنزويلا. هذه التحالفات ليست مجرد صفقات سياسية، بل هي تكوينات جديدة في صراع الجغرافيا السياسية الذي لا يرحم.
بينما تتصارع القوى العظمى على النفوذ، تبقى الدول الصغيرة مثل البيادق في لعبة الكبار، تُستغل وتُنهب مواردها باسم التحالفات الزائفة. في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية،تواصل الدول الكبرى إلقاء ظلالها الثقيلة، مما يخلق حالة من الفوضى المستمرة التي تُذكّرنا بأيام الحرب الباردة ولكن في حلة جديدة وأكثر تعقيدا.
إن المشهد العالمي اليوم ليس سوى انعكاس للتاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة بأسلحة أكثر تطورًا ووسائل أكثر خبثا. الحرب الباردة لم تنتهِ فعليا، بل تغيرت أشكالها وتحولت إلى صراعات متعددة الأوجه والمواقع. فهل يستطيع العالم أن يتجاوز هذا الفصل المظلم، أم أننا نكتب فصولاً جديدة في كتابٍ قديم؟ حكاية جديدة بحبكة قديمة، فصولها ليست إلا أصداء لصراع لا ينتهي.





