ذ.عبد القادر الفرساوي
في بقعة منسية من العالم، حيث لا تصل وسائل الإعلام ولا تصلها إنسانية القوانين، يُصارع أربعون مهاجرًا وطالب لجوء، بينهم نساء حوامل وأطفال، خطر الموت جوعًا وعطشًا. هؤلاء المهاجرون، الذين لفظتهم حدود الوطن، تقطعت بهم السبل بين صخور الحدود الجزائرية-التونسية، بعد أن تركتهم قوات الأمن التونسية هناك، لتنكر السلطات التونسية بعد ذلك أي تورط في معاملة غير إنسانية لهم، وكأنهم يختفون في هامش لا مرئي من الخرائط والاهتمامات.
قصة هؤلاء المهاجرين ليست جديدة، بل هي امتداد لألم مستمر، حيث يطاردهم العوز والجوع والخوف في كل خطوة. وكما أفاد الناطق الرسمي باسم منظمة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر: “لقد تابعناهم لمدة ثلاثة أيام، ولكن هذا الصباح فقدنا الاتصال بهم، ليس لديهم ماء أو أي شيء للأكل وهم في منطقة معزولة للغاية.” كلمات تشبه صرخة استغاثة تتردد بين جبال الصمت والإهمال، تعكس حجم الكارثة التي يعيشها هؤلاء البشر الذين تحولوا إلى أرقام في تقارير المنظمات.
لا تكتفي الأقدار القاسية بنفي هؤلاء المهاجرين من أوطانهم الأصلية، بل تصر على نفيهم مجددًا في بلاد الغربة، حتى يجدوا أنفسهم محاصرين في منطقة قفصة، بعيدًا عن أي حضارة أو مجتمع. القصة تبدو كأنها تكرار لمآسٍ عرفناها من قبل، حيث يجد الإنسان نفسه محاصرًا في مكان لا يمنحه الأمل ولا الطريق للخلاص، لا يرى فيه إلا العراء وصدى الصحراء الذي لا يجيب.
لقد أصبحت مدينة صفاقس، التي طُرد منها هؤلاء المهاجرون، مركزًا لمحاولات العبور غير القانونية إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، غير أن المهاجرين لا يجدون في صفاقس ملاذًا، بل يرونها ساحة للاعتداءات والعنف. هؤلاء، الذين يبحثون عن الأمل في ضوء شمس ضائع بين البحر والحدود، يلاقون نظرات الخوف والاتهام من أهل المدينة الذين يتهمونهم بسرقة الأمان والاستقرار. المدينة التي كانت يومًا منبعًا للعلم والثقافة، تحولت إلى ساحة للصراع والعنف المتبادل بين السكان وقوات الأمن والمهاجرين.
القصص تتكرر، وتتشابه الوجوه والصرخات.
لقد عرف العالم من قبل مأساة مشابهة، في ليبيا، حيث آلاف المهاجرين عُذبوا، واحتُجزوا في مراكز غير شرعية، ورُموا على الحدود بلا رحمة. المشهد يعيد نفسه اليوم، في تونس، حيث تُعاد كتابة نفس الفصول القاتمة بأسلوب آخر، ولكن النهاية واحدة: مهاجرون تقطعت بهم السبل، يتضورون جوعًا، ينتظرون حبل النجاة في أرض لا ترحم.
تحت لهيب الشمس الحارقة، وبين الصخور القاسية، تقف نساء حوامل يتأملن المصير الغامض لأجنتهن التي لم ترَ النور بعد، وأطفالٌ بأعين واسعة تفيض رعبًا وقلقًا، يبحثون عن قطرة ماء أو كسرة خبز. هؤلاء ليسوا مجرد مهاجرين، إنهم قصصٌ إنسانية تدور في دوامة اللجوء واليأس، تجسد الفشل الجماعي للعالم في احترام حقهم في الحياة والكرامة.
ربما تتوقف هذه القصة هنا، أو تستمر في صفحات أخرى لم تُكتب بعد، لكن الأكيد أن هؤلاء المهاجرين ليسوا مجرد أرقام في تقارير، إنهم بشر يبحثون عن بريق أمل في عالم أدار لهم ظهره، وهم لا يملكون سوى قلوب نابضة وأقدام واهنة تسيرهم في طرقات التيه.





