ذ.عبد القادر الفرساوي
في ظل عوالم تتداخل فيها الثقافات وتتقارب فيها الشعوب، يبدو أن العنصرية ورفض الآخر لا يزالان يظلان قيد الوجود، حاضرين بقوة في حياة بعض الأفراد. يشهد العالم اليوم تطوراً كبيرا في مجال الحقوق والحريات، لكن العنف والكراهية ضد فئات معينة ما زالت تبعث على القلق وتثير التساؤلات حول مدى تقدمنا كمجتمعات إنسانية.
في بلجيكا، حيث يستعد السياسيون للانتخابات، تجد حادثة العربي قاسمي مثالاً صارخا على التمييز والعنصرية التي لا تزال تلوث المشهد السياسي والاجتماعي. قاسمي، الذي يترشح في منطقة مونس، لم يكن يتخيل أن تكون صورته الانتخابية على فيسبوك سببا لتحويل شبكاته الاجتماعية إلى ساحة لتدفق الإهانات العنصرية والمعادية للإسلام. أُشير إلى قاسمي بعبارات تسيء إلى قيمه وتهدده بربط اسمه بأحداث 11 شتنبر، مما يعكس عمق الكراهية التي يتعرض لها. تعبيره عن حزنه على قناة RTBF، والذي جاء ليبرز حجم الألم الذي يشعر به، يذكرنا بحقيقة مؤلمة: العنصرية ليست مجرد مسألة تاريخية بل هي مشكلة معاصرة.
المؤسف أن هذا السلوك لم يقتصر على قاسمي فقط. فقد تعرضت وزيرة الدفاع لوديفين ديدوندر للتحرش، بينما قامت بلدية إنجين بإطلاق “إضراب من أجل الديمقراطية” للتنديد بالعنف الموجه ضد المسؤولين السياسيين. هذه الأمثلة تبرز كيف أن العنف ضد السياسيين، سواء كان جسديا أو رمزياً، أصبح جزءا من المشهد السياسي اليومي. في هذا السياق، تتجلى صورة الانتخابات في بلجيكا كمسرح للتوترات المتصاعدة، حيث يتجدد النزاع بين قوى تسعى لإبراز التنوع والتعايش، وأخرى تغذيها أفكار متطرفة تريد الحفاظ على تمايز عرقي وثقافي واضح.
الأبحاث الحديثة تكشف أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل كبير على المسؤولين المحليين، حيث يتعرض أكثر من 483 مسؤولاً للإرهاق الجسدي والمعنوي، مما ينعكس سلبا على التزامهم بالعمل السياسي. يتمثل هذا العنف في المضايقات المباشرة مثل خدش السيارات ورشقها بالحجارة، مما يدفع بعضهم إلى الاستقالة بحثا عن حياة أكثر هدوءاً. هذه الأفعال لا تحدث في فراغ، بل تتزايد وسط أجواء من التوترات العرقية والسياسية، حيث باتت بلجيكا تنظر إلى انتخابات مرتقبة تتزامن مع انقسام واضح بين الفلمنكيين والوالونيين.
في أكتوبر 2023، أدان مجلس أوروبا هذا العنف ضد المسؤولين المحليين واعتبره تهديداً للديمقراطية. الدراسة أظهرت أن 67% من الشخصيات السياسية المحلية تعرضت للإهانات، و23% للمضايقات عبر الإنترنت، و18% لأعمال عنف، مما يبرز حجم المشكلة وتأثيرها على المشهد السياسي المحلي. ومع هذا الواقع، يبدو أن المواجهة ليست فقط بين الأفراد، بل تمتد لتشمل قوى سياسية تعمل على إعادة تشكيل قواعد اللعبة، متأثرة بموجات متصاعدة من الخطاب العنصري والتحريض على الكراهية.
هذه الوقائع تعكس جانباً مظلما من واقعنا المعاصر، حيث تبقى العنصرية ورفض الآخر عوائق تقف في وجه التقدم الاجتماعي والسياسي. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية مواجهة هذه الظواهر وتجاوزها لتحقيق مجتمع أكثر تسامحا وشمولية، حيث يُقدّر كل فرد بناءً على قيمه وأعماله وليس على أساس خلفيته أو معتقداته.
تحولت الانتخابات إلى معترك يعكس نبض المجتمع بأكمله، محاولة لتقييم إلى أي مدى يمكن للعنصرية والعنف أن يشكلا عقبة أمام تفاعل ثقافي وسياسي ناضج ومتقدم. بين رغبة البعض في فصل أقاليم عن بعضها البعض وتوحيدها على أسس ثقافية متشددة، واندماج آخرين ينادون بالتعايش، تظل الساحة مفتوحة لمعركة لا تقتصر على صناديق الاقتراع بل تمتد إلى أعماق النفس البشرية، حيث تصارع القيم ضد مخاوف الآخر ورواسب الماضي.





