القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي وجهوده في التوحيد والتحرير (36) دور القاضي الفاضل أثناء حصار الصَّليبيين لعكا

 

 

 

 

 

بقلم: الدكتور علي محمد الصلابي
(الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين).

 

 

 

كان للقاضي الفاضل دورٌ بالغُ الأهمية أثناء حصار الصليبيين لعكَّا ، وكان متواجداً بمصر انذاك يدبِّر شؤونها نيابةً عن صلاح الدِّين ، وكان من خلال موقعه هذا يرتِّب للسلطان أموره من تجهيز العساكر ، وتعمير الأسطول ، وحمل المال ، ونقل الميرة إلى عكَّا ، والسلطان يكاتبه في مهمَّاته ، وترجع أجوبته بأحسن عباراته مشيراً ، وناصحاً ، ومسلِّياً ، وباحثاً عن مصالح الإسلام متقصِّيا وكانت مكاتباته تتواصل إلى صلاح الدين أثناء حصار الفرنج لعكَّا بصفةٍ مستمرَّةٍ ، مليئةٍ بالعبارات الصَّادقة بكلِّ مشاعر الحبِّ ، والإخلاص للتخفيف عنه من صعوبة هذا الحصار، ومشاركته أحزانه ، واماله ، فكان يشجِّعه فيها ، ويحثُّه على الصَّبر، ويقوِّي من عزيمته لمواصلة الجهاد وعدم اليأس ، وعدم القنوط من رحمة الله وكرمه ، ويدعوه للتمسُّك بالأمل في نصر الله.

وكانت هذه العلاقة مبنيةً على الأخوَّة في الله، ووحدة الهدف، وليست قائمةً على تابعٍ، ومتبوعٍ، وسيِّدٍ، وخادم، فجاء في إحدى هذه الرسائل: ولا يكره المولى أن تطول مدَّة الابتلاء بهذا العدو، فثوابه يطول، وحسناته تزيد، وأثره في الإسلام يبقى، وفتوحاته بمشيئة الله يعظمُ موقعها، والعاقبة لتقوى، ولينصرن الله من ينصره، والله تعالى يشكر لمولانا جهاده بيده، وبرأيه، وبولده، وبخاصته، وبعامة جنده
وكان من ضمن الرسائل الأخرى التي كان يرسلها القاضي الفاضل إلى صلاح الدين، تلك التي أوضح فيها اعتذاره عن تأخُّر وصول الأسطول المصري إلى الشَّام بالإمدادات؛ التي طلبها صلاح الدين من مصر، موضحاً: أنَّ ذلك مرجعه اشتداد الرياح المعاكسة، وليس تقصيراً منه (دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، آسيا نقلي، ص 169).
وممَّا لا شك فيه أن هذه الرسالة تعتبر تأكيداً للدور الذي كان يقوم به في مصر هذا القاضي الأجلُّ ، وغيره من الفقهاء ، والعلماء لمساعدة صلاح الدين ، وتأمين مستلزمات ، وتموين الجند المحارب معه بعكَّا.
وجدير بالذكر: أن القاضي كان يحاول بكلِّ الطرق ، والوسائل الممكنة أن يساعد صلاح الدين ، والمسلمين أثناء هذا الحصار ، فأرسل إلى الخليفة العباسي ببغداد كتاباً يستحثه فيه بأقوى العبارات ، وأوقعها على النَّفس ، والقلب ، مهيباً به أن يقف بجانب صلاح الدين ، والمسلمين في هذا الموقف الصَّعب، نصرةً لدين الله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإعلاءً لشأن المسلمين.
ولعلَّ أقوى العبارات التي أوردها في هذا الكتاب قوله مناشداً الخليفة: فيا عصبة محمَّدٍ عليه السلام ، اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه ، ووفه الحقَّ فينا ، فأنا ، والمسلمون عندك ودائعه، وما مثل الخادم نفسه في هذا القول إلا بحالة عبدٍ لو أمكنه؛ لوقف بالعتبات ضارعاً ، وقبَّل ترابها خاشعاً ، وناجاها بالقول صادعاً ، ولو رفعت عنه العوائق؛ لهاجر، وشافه طبيب الإسلام بل مسيحه بالدَّاء الذي خامر ، ولو أمن عدو الإسلام أن يقول قولاً اخر؛ لسافر ، ولولا أنَّ في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح؛ لقال ما يبكي العيون ، وينكي القلوب ، ولكنَّه صابرٌ محتسبٌ ، منتظرٌ لنصر الله ، مرتقبٌ ، قائم من نفسه بما يجب

وبناءً على ذلك تجاوز القاضي الفاضل بالسُّلطان صلاح الدين تلك المحنة القاسية؛ الَّتي مرَّت بها عكَّا ، وكان وحده بمثابة جيشٍ ثانٍ يحارب جنباً إلى جنب مع صلاح الدِّين ومما جاء في رسائل القاضي الفاضل لصلاح الدين من النُّصح ، والإرشاد قوله: .. وهذا دينٌ ما غُلب بكثرةٍ ، ولا نُصر بثروةٍ ، وإنما اختار الله تعالى له أربابَ نيَّاتٍ ، وذوي قلوبٍ معه ، وحالاتٍ ، فليكن المولى نعم الخلفُ لذلك السَّلف ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ ﴾[الأحزاب:21] واشتدي أزمة تنفرجي ، والغَمرَات تذهب ، ثم لا تجيء ، والله تعالى يُسْمِعُ الأُذُن ما يُسرُّ القلب، ويصرف عن الإسلام وأهله غاشية هذا الكرب ، ونستغفر الله العظيم ، فإنه ما ابتلى إلا بذنب
وجاء في كتاب اخر له: إنما أتينا من قِبَل أنفسنا ، ولو صَدَقناه؛ لعجَّل لنا عواقب صدقنا ، ولو أطعناه؛ لما عقابنا بعدوِّنا ، ولو فعلنا ما نَقْدِرُ عليه من أمره؛ لفعل لنا مالا نقدر عليه إلا به، فلا يستخصمْ أحدٌ إلا عمله ، ولا يَلُم إلا نفسه ، ولا يَرْجُ إلا ربَّه ، ولا ينتظر العساكر أن تكثر، ولا الأموال أن تحضر ، ولا فلانٌ الذي يعتمد عليه: أنه يُقاتل، ولا فلان الذي ينتظر: أنَّه يُشير، فكلُّ هذه مشاغل عن الله ليس النَّصر إلا بها ، ولا نأمن أن يكلنا الله إليها، والنَّصر به ، واللُّطف منه ، والعادة الجميلة له ، ونستغفر الله سبحانه من ذنوبنا ، فلولا أنَّها تسدُّ طريقَ دُعائنا؛ لكان جواب دعائنا قد نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل ، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السَّابق ، واللاحق(كتاب الروضتين (4/179).
ومن كتاب اخر: وعسكرنا لا يشكو ـ والحمد لله ـ منه خوراً إنما يشكو منه ضجراً ، والقوى البشرية لا بدَّ أن يكون لها حدٌّ ، والأقدارُ الإلهية لها قصدٌ ، وكلُّ ذي قصدٍ خادمٌ قصدها ، وواقفٌ عند حَدِّها ، وإنما ذكر المملوك هذا ليرفع المولى من خَاطره مَقْتَ المتقاعس من رجاله ، كما يثبت فيه شكر المسارع من أبطاله. قال الله تعالى: ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران:159] .

يا مولانا! أليس الله تعالى أطَّلَع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهل ، ولم يستصلح ، ولم يختر، ولم يسهل ، ولم يستعمل، ولم يستخدم في إقامة دينه ، وإعلاء كلمته ، وتمهيد سلطانه ، وحماية شعاره ، وحفظ قبلة موحِّديه إلا أنت؟ هذا وفي الأرض من هو أحق للبنوَّة قَرَابةً ، ومن له المملكة وراثةً ، ومن له في المال كثرةً ، ومن له في العدد ثروةً ، فأقعدهم ، وأقامك ، وكَسَّلهم ، ونشَّطك وقبضهم ، وبسطك ، وحَبَّبَ الدنيا إليهم ، وبَغَّضها إليك ، وصعَّبها عليهم وَهوَّنها عليك ، وأمسك أيديهم ، وأطلق يدك ، وأغمد سيوفهم ، وَجرَّد سيفك ، وأشقاهم ، وأنعم عليك ، وثبَّطهم ، وسيَّرك ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦﴾ [التوبة:46] . نعم ، وأخرى أهمُّ من الأولى: أنه لما اجتمعت كلمة الكفر من أقطار الأرض ، وأطراف الدنيا ، ومغرب الشمس ، ومزخر البحر ما تأخَّر منهم متأخِّر ، ولا استبعد المسافة بينك وبينهم مستبعد ، وخرجوا من ذات أنفسهم الخبيثة ، لا أموال تنُفق فيهم، ولا ملوك تحكم عليهم ، ولا عصا تسوقهم ، ولا سيف يزعجهم مهطعين إلى الدّاعي ساعين ، وهم من كلِّ حَدَب يَنسلُون: ومن كل بَرِّ وبحرٍ يقبلون ـ أبقاك الله ـ كما قيل:
ولست بَملْكِ هازمٍ لنظيره
ولكنَّك الإسلامُ للشِّراك هَازِمُ

هذا؛ وليس لك من المسلمين كافَّة مساعد إلا بدعوة، ولا مجاهد معك بلسانه، ولا خارج معك إلا بهم، ولا خارج بين يديك إلا بالأجرة، ولا قانع منك إلا بزيادة تشتري منهم الخطوات شبراً بذراع، وذراعاً بباع ، فتدعوهم إلى الله ، وكأنما تدعوهم إلى نفسك ، وتسألهم الفريضة ، وتكلِّفُهم النَّافلة ، وتعرض عليهم الجنَّة ، وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم (كتاب الروضتين، سابق، (4/186).

وقال في كتاب اخر: .. ولنا ذنوبٌ قد سَدَّت طريق دُعائنا ، فنحن أولى بأن نلوم أنفسنا ، والله قَدَّر ، ولا سلاح لنا في دفعِهِ إلا أن نقول: لا حول ولا قُوَّة إلا بالله ، وقد أشرفنا على أهوال {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} وقد جمع العدوُّ لنا ، وقيل لنا: أخشوه ، فقلنا: حسبنا الله ، ونعم الوكيل ، متنجِّزين بذلك موعود الإنقلاب بنعمةٍ من الله وفضل ، فما نرجو إلا ذلك الفضل العظيم ، وليس لنا إلا الاستعانة بالله ، فما دلنا الله في الشدائد إلا على الدُّعاء له، وعلى طروق باب كَرمَه ، وعلى التضرُّع إليه ، ﴿فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾[الأنعام:43] . ونعوذ بالله من القسوة ، ومن القنوط من الرَّحمة ، ومن اليأس من الفرَج ، فإنه لا ييأس منه إلا مسلوب الرَّشَد ، مطرود عن الله ، مقطوعٌ الحظُّ منه ، ولا حيلة إلا بترك الحيلة ، بل قَصْدُ من تمضي أقداره بلا حيلة، سبحانه، وتعالى. إنْ علم الله من جند مولانا أنَّهم قد بذلوا المجهود؛ فقد عَذَرهم ، فيعذرهم المولى ، وإن علم أنهم قد ذخروا قوةً ، أو قصَّروا في نُصْرة كلمة الله؛ فيكفيهم مقتُ الله والمملوك يذكِّرُ المولى بصبره ، وبرحب صدره ، وبفضل خُلُقه ، وبتقواه لربِّه ، وبمداراة مِزَاجه ، وببرء القلوب الإسلامية ببرء جسمه ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِ‍َٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥﴾ [الأنعام:35].
والمولى أولى بهذا البيت:
لا بَطِرٌ إن تتابعت نِعمٌ
وصابرٌ في البلاءِ مُحْتَسِبُ

قيل للمهلب: أيسرُّك ظفرٌ ليس فيه تعب؟ فقال: أكره عادة العجز.
ولابُدَّ أن تنفذ مشيئة الله في خَلْقه ، ولا رادَّ لحكمه ، فلا يتسخَّط مولانا بشيءٍ من قَدره؛ فلأن يجري القضاء وهو راضٍ مأجور خيرٌ من أن يجري؛ وهو ساخطٌ موزور ، فيعطى نار الشِّدة ـ أعاذه الله منها ـ ولا يجد راحة الثَّواب، وفَّر الله حظَّه منه. من شكا بَثَّه وحزنه إلى الله؛ شكا إلى مُشتكى، واستغاث بقادر، ومن دعا ربَّه دُعاءً خفيَّاً؛ استجاب له استجابةً ظاهرة، فلتكن شكوى مولانا إلى الله خِفيةً عَنَّا، ولا يقطع الظهور التي لا تشتدُّ إلا به، ولا يضيِّق صدوراً لا تنفرج إلا منه، وما شرَّد الكرى، وأطال على الأفكار ليل السري إلا ضائقة الفوت بعكَّا… فقد علم مولانا بالمباشرة: أنه لا يُدَبَّر الدَّهرُ إلا بربِّ الدَّهر، ولا ينفذ الأمر إلا بصاحب الأمر، وأنَّه لا يقلُّ الهمُّ إن كَثُرَ الفكر:
قد قلت للرجل المُقَسَّم أمره
فوِّض إليه تَنَمْ قرير العين

كلُّ مقترحٍ يُجاب إليه إلا ثغراً يصير نصرانياً بعد أن أسلم، أو بلداً يخرس فيه المنبر بعد أن تكلَّم. يا مولانا هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسَهِرْت فيها والعيون هاجعة، وهذه الأيام التي يُنادى فيها: يا خيل الله أركبي! وهذه الساعات التي تزرع الشَّيب في الرؤوس ، وهذه الغَمَراتُ التي تفيض فيها الصدور بمائها ، بل بنارها، هي نعمة الله عليك ، وغراسُك في الجنَّة ، ومجملات محضرك ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا﴾ [آل عمران:30] ، وهي مُجَوِّزاتك الصِّراط ، وهي مثقلات الميزان، وهي درجات الرضوان، فاشكر الله عليها كما تشكره على الفتوحات الجليلة.

واعلم: أنَّ مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر ، ومن ربط جأش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قوله: لو كان الصبر، والشكر بعيرين؛ ما باليت أيهما ركبتُ. وبهذه العزائم سبقونا، وتركونا لا نطمع بالغُبار ، وامتدَّت خطاهم ، ونعوذ بالله من العثار ، ما استعمل الله في القيام بالحقِّ إلا خير الخلق ، وقد عرف ما جرى في سير الأوَّلين ، وفي أنباء النَّبيين ، وأن الله تعالى حَرَّض نبيه صلى الله عليه وسلم أن يهتدي بُهداهم ، وأن يسلك سبيلهم ، ويقتدي بأولي العزم منهم ، وَما تغلو الجنَّة بثمن ، وما ابتلى الله سبحانه من عباده إلا مَنْ يعلم أنه يصبر، وأمور الدنيا ينسخ بعضها بعضاً ، وكأنَّ ما قد كان لم يكن ، ويذهب التعب ، ويبقى الأجر ، وإنما يقظاتُ العينِ كالحُلُم( صلاح الدين، الصلابي، ص486).
وأهم الوصايا ألا يحمل المولى همَّاً يُضْعِفُ به جسْمَه ، ويُغيِّر مزاجَه ، والأمَّة بنيان ، وهو ـ أبقاه الله ـ قاعدته ، والله يثبِّتُ تلك القاعدة في نصرة الحق. ومما يستحسن من وصايا الفرس: إن نزل بك ما فيه حيلة؛ فلا تعجز ، وإن نزل بك ما ليس فيه حيلة ـ والعياذ بالله ـ فلا تجزع ، وربَّ واقع في أمر لو اشتغل عن حمل الهمِّ به بالتدبير مع مقدور الله؛ لانصرف همُّه ، وكُفي خطبه {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}
هذا سلطان هو بحول الله أوثق منه بسلطانه ، قاتلتِ الملوك بطمعها ، وقاتل هذا بإيمانه ، وإذا نظر الله إلى قلب مولانا لم يجد فيه ثقةً بغيره ، ولا تعويلاً على قوَّةٍ إلا على قوَّته ، فهنالك الفرج ميعاده ، واللطف ميقاته ، فلا يقنط من روح الله ، ولا يقل: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ، فإنما خلق للصَّبر ، بل ليشكر ، فالشُّكر في موضع الصَّبر أعلى درجات الشُّكر ، وليقل لمن ابتلى: أنت المعافي ، وليرض عن الله سبحانه ، فإن الرَّضِيَّ عند الله هو المسلم الرَّاضي، فأما أخبار فتنة بلاد العجم؛ فسبحان من ألحق قلوبهم بألسنتهم! ﴿قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١﴾ [الأنعام:91] .

وكتب السلطان إلى القاضي الفاضل كتاباً من بلاد الفرنج يخبر عمَّا لاح له من أمارات النَّصر، ويقول: ما أخاف إلا من ذنوبنا أن يأخذنا الله بها. فكتب إليه الفاضل: فأما قول مولانا إنَّنا نخاف أن نؤخذ بذنوبنا؛ فالذُّنوب كانت مثبتةً قبل هذا المقام ، وفيه مُحِيَتْ ، والاثام كانت مكتوبةً ، ثم عُفي عنها بهذه السَّاعات ، وعُفِّيتَ ، فيكفي مستغفراً لِسانُ السَّيف الأحمر في الجهاد ، ويكفي قارعاً لأبواب الجنَّة صوت مقارعة الأضداد ، وبعين الله موقفك، وفي سبيل الله مقامك ، ومنصرفك ، وطوبى لقدمٍ سَعَتْ في مِنْهاجك ، وطوبى لوجهٍ تَلَثَّم عَجَاجك ، وطوبى لنفس بين يديك قَتَلَتْ ، وقُتِلَت ، وإنَّ الخواطر بُشكر الله فيك عن شُكرها لك قد شُغِلَت(كتاب الروضتين (4/190).
وهذا هو القاضي الفاضل العالم الربَّاني ، صاحب البيان البديع ، والفهم العميق لسنن الله في تحقيق النصر ، ولا نستغرب بعد هذه المكاتبات من قول صلاح الدين: ما فتحت بلداً بسيفي ، ولكن بقلم القاضي الفاضل. إنَّ وجود نوعية القاضي الفاضل بجوار القيادات السياسية ، والعسكرية لها أثره المعنوي ، فيها يفتح الله أبواب الأمل للقيادات ، وتحرص على الثواب فيما عند الله ، وتكون سبباً في صبرها ، وثباتها.

المراجع:
1. كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1418 هـ 1997م.
2. دور الفقهاء والعلماء في الجهاد ضد الصليبيين خلال الحركة الصليبية، د. اسيا سليمان نقلي ، مكتبة العبيكان 2002 م.
3. صلاح الدين، على الصلابي، دار ابن كثير، بيروت، ط1، 2009م.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...