بين رياح المحاكم الأوروبية وسفن الشراكة الدولية: المغرب يرسو على شواطئ الحكمة

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في خطوة جديدة تعكس أبعاد التوتر السياسي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أصدرت محكمة العدل الأوروبية قرارا يقضي بإلغاء الاتفاقيات التجارية المتعلقة بالصيد والزراعة بين الطرفين، بزعم أن هذه الاتفاقيات شملت إقليم الصحراء المغربية دون استشارة سكانه. هذا الحكم لم يكن مفاجئا للمملكة، التي باتت تدرك أن بعض القرارات الأوروبية ليست سوى انعكاس لصراعات سياسية داخلية بين دول الاتحاد، مما دفعها إلى التعامل مع هذه المستجدات بثقة وحكمة بعيدا عن الانفعال.

المغرب لم ينتظر طويلا للرد على هذه المهزلة القانونية، بل أعلن عن تمديد اتفاقية الصيد مع روسيا، والتي تشمل السواحل الممتدة على طول الصحراء المغربية،مؤكدا سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية. وأفادت مصادر دبلوماسية مغربية أن هذا الاتفاق مع روسيا يمثل رسالة واضحة مفادها أن المملكة تمضي قدما في تطوير شراكاتها الاقتصادية، بصرف النظر عن قرارات أي جهة كانت.

في هذا السياق، أوضح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أن “بعض قضاة محكمة العدل الأوروبية الذين أصدروا الحكم غادروا مناصبهم بعد يومين من إلغاء الاتفاقيتين”، تاركين وراءهم أسئلة تتناثر كغبار في مهب الريح. هل كانت هذه مغادرة بريئة؟ أم هروبا تحت وطأة ضغوط سياسية طمست صوت العدالة؟ يبدو أن هذا القرار لم يكن حكما قانونيا محضا، بل أشبه بلعبة شطرنج على رقعة دولية، حيث تحركت القطع تحت ستار من المصالح الخفية، قبل أن يتنحى اللاعبون فجأة ويتركوا الساحة خاوية.

هذا الرحيل السريع يعزز الشكوك في أن المحكمة ليست سوى مسرح تتحكم في خيوطه جهات نافذة، تعمد إلى تحريك القرارات كأوراق مساومة. لكنها، وإن ظنت أنها أربكت المغرب، لم تدرك أن المملكة تقرأ ما وراء السطور وتدرك أن مغرب اليوم لا يخضع لمزاج قاض هنا أو إملاء سياسي هناك. هذا المغرب الحكيم يعرف كيف يحول الضغوط إلى فرص، ويترك الأحكام العرجاء تتهاوى تحت وطأة الواقع الذي صنعته إرادته الصلبة.

وعلى الرغم من محاولة بعض الأطراف الأوروبية عرقلة مسار المغرب التنموي، فإن المملكة تواصل تعزيز مكانتها الدولية، حيث يحظى مشروع الحكم الذاتي للصحراء المغربية بدعم دولي واسع. بل إن دولا محورية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا تعتبر هذا المشروع مبادرة جدية وواقعية لحل النزاع بشكل نهائي، وهو ما يزيد من عزلة الأطراف الداعمة لخيار الاستفتاء، الذي بات بلا أي سند دولي حقيقي.

المغرب اليوم، وهو ينظر إلى المستقبل، يدرك أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أقاليمه الجنوبية هي الرد الأبلغ على أي محاولات لزعزعة استقراره. لهذا، يعكف على استثمار موارده في هذه المناطق لتعزيز رخاء سكانها، بعيدا عن الخطابات الشعبوية والقرارات المرتجلة. وبينما يعكف خصومه على بث الفوضى والشكوك، يواصل هو مسيرته بثقة، متجاوزا كل

العراقيل ومتأكدا أن رب ضارة نافعة، إذ أصبحت كل أزمة دافعا جديدا نحو تحقيق مزيد من الإنجازات.

بإصرار هادئ وبُعد نظر، يثبت المغرب اليوم أن مغرب الأمس قد ولى، وأن المملكة لم تعد تنكفئ أمام قرارات عابرة مهما كان مصدرها.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...