الكاتب: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
مما تميّز به ديننا الإسلامي عن كل ما عرفه الناس من أديان وفلسفات ومذاهب: (الشمولية)، وهو شمول يستوعب الزمن كله، ويستوعب الحياة كلها، ويستوعب كيان الإنسان كله.
فهو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء (رسالة التعاليم، حسن البنا، ص 2). فالإسلام الذي شرعه الله تعالى لم يدع جانباً من الحياة دون آخر، فهو بطبيعته شامل لكل مناحي الحياة، مادية وروحية، فردية واجتماعية.
ولقد عبر الإمام حسن البنا عن أبعاد هذا الشمول في رسالة الإسلام فقال وأجاد:
“إنها الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاقَ الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة”. (الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، ص 119)
وقد دل على هذا الشمول القرآن والسنة، فقد قال تعالى مخاطباً رسوله ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]؛ قال الإمام الشافعي (رحمه الله تعالى): ” فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها”.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ ما ترك أمراً يقربّنا من الله إلا وأمرنا به، ولا ترك أمراً يبعدنا عن الله إلا نهانا عنه، حتى تركنا على المحجّة البيضاء ” ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك”. (الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، ص 48)
تبين هذه الأدلة شمول الشريعة لجميع ما يحتاجه الناس في جميع المجتمعات على مرّ العصور وتغيّر الأحوال. (الثبات والشمول، د. عابد السفياني، ص 133) ويتمثل هذا الشمول بالآتي:
1- الإسلام رسالة الزمن كله:
رسالة الإسلام لكل الأزمنة والأجيال، ليست رسالة موقوتة بعصر معين أو زمن مخصوص، ينتهي أثرها بانتهائه، كما كان الشأن في رسالات الأنبياء السابقين على محمد ﷺ، فقد كان كل نبي يبعث لمرحلة زمنية محدودة حتى إذا ما انقضت بعث الله نبيّا آخر. أما محمد ﷺ، فهو خاتم النبيين، ورسالته هي رسالة الخلود التي قدر الله بقاءها إلى أن تقوم الساعة، ويُطوى بساط هذا العالم، فهي تتضمن هداية الله الأخيرة للبشرية، فليس بعد الإسلام شريعة، ولا بعد القرآن كتاب، ولا بعد محمد ﷺ نبيّ. إنها رسالة المستقبل المديد ولا شك، وهي أيضاً رسالة الماضي البعيد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، فكل الأنبياء أعلنوا أنهم مسلمون، ودعوا إلى الإسلام. (الخصائص العامة للإسلام، مرجع سابق، ص 120– 123)
- رسالة الإنسان كله:
ورسالة الإسلام هي رسالة الإنسان من حيث هو إنسان متكامل، إنّها ليست رسالة لعقل الإنسان دون روحه، ولا لروحه دون جسمه، ولا لأفكاره دون عواطفه، ولا عكس ذلك. إنّها رسالة الإسلام كله: روحه وعقله، وجسمه وضميره، وإرادته ووجدانه. إن الإسلام لم يشطر الإنسان شطرين، كما فعلت أديان أخر، شطر روحي يوجّهه الدين، ويتجه للمعبد، وهذا الشطر من اختصاص رجال الدين (الكهنوت)، يتحكم فيه الكاهن أو القسيس، ويقود الإنسان من خلاله، وشطر آخر مادي لا سلطان للدين ولا لرجاله عليه، ولا مكان لله فيه… إنه شطر للحياة، للدنيا، للسياسة، للمجتمع، للدولة، وهذا في الواقع هو الجزء الأكبر من حياة الإنسان. ترى هل يتفق هذا مع فطرة الإنسان؟ كلا، فالإنسان كما خلقه الله، ليس جزءاً ولا مشطوراً، إنه (كلٌّ) متكامل، و(كيان) واحد، لا تنفصل فيه روح عن مادة، ولا مادة عن روح، ولا عقل، عن عاطفة، ولا عاطفة عن عقل، إنه (وحدة)، لا تتجزّأ من الجسم والروح والعقل والضمير. وبهذا لا يتمزّق الإنسان بين توجيهين مختلفين، أو سلطتين متناقضتين، هذه تشرق به، وتلك تغرب، كالعبد الذي له أكثر من سيد، كل واحد يأمره بغير ما يأمر به الآخر، فهمه شعاع وقلبه أوزاع، كما ذكر القرآن الكريم في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. (الأبعاد الإنسانية والحضارية، د. علي الصلابي، ص41 – 42)
- شمول التعاليم الإسلامية:
وإذا كان الإسلام هو رسالة الإنسان كلّه، ورسالة الحياة كلّها، فلا عجبَ أن نجد التعاليم الإسلامية كلها تتميز بهذا الشمول والاستيعاب لكل شؤون الحياة والإنسان. والحقيقة أن تعاليم الإسلام وأحكامه في العقيدة والشريعة والأخلاق والعبادات والمعاملات لا تؤتي أكلها إلا إذا أخذت متكاملة، فإنّ بعضها لازم لبعض، وهي أشبه (بوصفة طبية)، كاملة مكونة من غذاء متكامل، ودواء متنوّع، وحمية وامتناع من بعض الأشياء، وممارسة لبعض التمرينات، فلكي تحقق هذه الوصفة هدفها، لا بدّ من تنفيذها جميعاً، فإن ترك جزء منها، قد يؤثّر في النتيجة كلّها (شمول الإسلام، د. يوسف القرضاوي، ص 45). ويتمثل شمول التعاليم الإسلامية بشمول العقيدة التي تفسر كل قضايا التوحيد الكبرى في هذا الوجود، التي كانت مثار جدل قديما، كالألوهية، وقضية الكون، وقضية الإنسان، وقضية النبوة، وقضية المصير وغيرها…
وشمول العبادة، التي تستوعب الكيان البشري كلّه، فالمسلم يعبد الله بلسانه ذاكراً وداعياً، وببدنه مصليّاً صائما مجاهداً، وبقلبه خائفاً راجياً محبّاً متوكلاً، وبعقله متفكّراً متأملاً، وبحواسه كلّها مستعملاً لها في طاعته. (خصائص الإسلام، مرجع سابق، ص 132)
وشمول الأخلاق، والنبي ﷺ حدّد الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين في دعوته، بقوله: “إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق” (خلق المسلم، محمد الغزالي، ص 7). إن الأخلاق في الإسلام لم تدع جانباً من جوانب الحياة الإنسانية إلا رسمت له المنهج الأمثل للسلوك الرفيع، فما فرّقه الناس في مجال الأخلاق باسم الدين وباسم الفلسفة، وباسم العرف والمجتمع، قد ضمنه قانون الأخلاق في الإسلام في تناسق وتكامل وزاد عليه.
وشمول التشريع، فالإسلام عقيدة وشريعة، والعقيدة هي الإساس، والشريعة هي البناء، فقد جاء الإسلام منظّماً لحياة الإنسان بوضع الأصول الضابطة لها، والمنارات الهادية لمسيرتها، ووضع الإشارات الحمراء عند خشية الصدام، حتى إن أطول آية في كتاب الله نزلت في تنظيم شأن صغير من الشؤون المدنية للإنسان، وهي آية المداينة.
ومن خصائص الشريعة الإسلامية: أنها شريعة ربانية، لأن مصدرها الأساسي وحي الله. وشريعة إنسانية، لأن الإنسان هو الذي يفهمها، وهو الذي ينفذها. وشريعة أخلاقية، وشريعة واقعية، وشريعة منطقية، وشريعة خالدة. (الصحوة الإسلامية، عبد الكريم بكار، ص 79)
المراجع:
- الأبعاد الإنسانية والحضارية في شخصية النبي ﷺ، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة.
- الخصائص العامَّة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة – القاهرة، مصر، ط: الرَّابعة، 1409هـ 1989م.
- شمول الإسلام، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة للطباعة والنشر السلسلة: نحو وحدة فكرية للعاملين للإسلام، 2011م.
- الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتاب، 2006م.
- الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية، د. عابد السفياني، مكتبة المنارة، 2015م.
- الصحوة الإسلامية صحوة من أجل الصحوة، عبد الكريم بكار، دار السلام، 2015م.





