إدريس عدار
تجاور المغالطةُ البرهان، وتشترك معه في الانتماء إلى الصناعة المنطقية، غير أنها تختلف عنه في صفة المقدمات اللازمة للاستنتاج، فهي تعتمد مقدمات فاسدة، لتصل إلى نتائج تكون بالضرورة فاسدة، لكنها تطرح مقدماتها الخاطئة بشكل يوحي بأنها بديهية ومتفق عليها، والقفز على القضايا الواضحة خوفا من الكشف عن المغالط، الذي يكاد يقول خوذوني، ومن صفات المغالط أنه لا يقوم بالتحقيق في المقدمات، خصوصا إذا كانت عبارة عن معلومات يحطبها من الغابة دون فحص فيحمل معها عقارب وأفاعي تضر بالفكر والذوق.
هذه الكلمات أراها ضرورية لقراءة والرد على مقال محمد إنفي “إيران محور مقاومة أم محور مساومة؟”.
استعاد في المقال كل التشنيعات التي طرحها خصوم المقاومة، الذين يقولون بأن حماس ورطت الشعب الفلسطيني في هذه المعركة، بعد أن قال في المقدمة “لا يمكن أن نساوي بين دولة احتلال تمارس إرهاب الدولة.. وبين حركة مقاومة تواجه الاحتلال الصهيوني العنصري بما يتوفر لها من وسائل الدفاع…”، لكن سرعان ما سينقلب على هذه المقدمة عندما يصل إلى السابع من أكتوبر، حيث يشرع في تكرار كل ما روجه خصوم المقاومة.
ويذكر أن كل فصائل المقاومة لم تعترض على “طوفان الأقصى” بل شاركت فيه مجتمعة دون استثناء، ومنذ اليوم استطاعت كتائب شهداء الأقصى، التي أسسها الرئيس الشهيد ياسر عرفات، من تنفيذ عمليات نوعية وكان لديها رهائن سلمتهم لحماس باعتبارها الحركة المفاوضة، فهل انطلت مغامرة حماس على جميع الفصائل الفلسطينية إلا أن الكاتب اليساري اكتشفها؟

وتجذر الإشارة إلى أن ما كتبه ليس جديدا بل هو من الكلام الذي تكرر منذ البداية، لكن في محاولة للإجابة عن هذا السؤال أورد تصريحا منسوبا لأحمد عبد الهادي ممثل حماس في لبنان نسبه إلى نيوزويك لكن نقله عن موقع أسترالي يسمى “الناس نيوز” والكلام المنسوب للقيادي في حماس مفاده أن الحركة نسقت مع الحزب وإيران قبل وأثناء وبعد هذه المعركة لكن “تعرضنا إلى خيانة ووعود كاذبة من إيران”، وأورد حكاية لا يعرفها أحد هي أنه تم الاتفاق على الهجوم في وقت واحد من غزة والضفة وجنوب لبنان وسوريا وتطلق إيران صواريخ تضرب في البحر الأبيض المتوسط.
الكاتب لم يكلف نفسه عناء العودة إلى المجلة الأمريكية التي نشرت مقالا تحت عنوان “حماس نسقت مع إيران قبل وأثناء وبعد الهجوم على إسرائيل”.. جاء فيه:
“قال عبد الهادي على قناة X: “لقد نسقنا مع حزب الله ومع إيران والمحور قبل وأثناء وبعد هذه المعركة على أعلى المستويات”. وقال إن هذا التنسيق “له أبعاد عديدة، سياسية وعسكرية وغيرها”.
وبينما عززت حماس منذ فترة طويلة علاقاتها مع إيران، نفت الحركة الفلسطينية أن يكون لأي كيان آخر دور في التخطيط للهجوم البري والبحري والجوي المفاجئ. ولم يقل عبد الهادي أن أي جهة أخرى غير حماس نفسها خططت للهجوم”.
وقالت المجلة “نفت طهران أي دور لها في العملية، على الرغم من أن البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة قالت لمجلة نيوزويك في وقت سابق من يوم الأربعاء إن الجمهورية الإسلامية زودت المقاتلين الفلسطينيين “بالمهارات” لمساعدتهم على شن مثل هذا الهجوم”.
واضح حتى من المجلة أن عبارة “غدرت بنا” ليس موجودة في المقال على الإطلاق. والتنسيق ليس هو التخطيط. والفصائل الفلسطينية كلها كانت في العنوان الكبير لطوفان الأقصى لا بمعنى طريقة التنفيذ وآلياته، التي تعرفها حماس لوحدها وهذا ما صرح به السيد الشهيد في أول خطاب بعد طوفان الأقصى. وتزويد المقاتلين بالمهارات هو أعلى أنواع التنسيق.
وكان يحيى السنوار، الرئيس الحالي لحركة حماس، قال في بداية المعركة عندما تم الحديث عن تخلي إيران عن المقاومة “لقد زودتنا إيران بالمال والسلاح والخبرات وأشياء أخرى”، وقال البعض إن المقصود بأشياء أخرى هو المعلومات الاستخبارية.
وصاحب الكاتب مقاله بعبارات المنطق والابتعاد عن العواطف الجياشة في التحليل، لكن لم ينعكس هذا على مقاله، حيث إن أولى مبادئ البرهان هو صحة المقدمات، بينما بنى كل استدلاله على قول منسوب لقيادي في حماس وقال إنه تصريح لنيوزويك وعند العودة إلى المجلة، التي لم يكلف نفسه الرجوع إليها، تبين أن اقتبست جملة كتبها المعني بالأمر على حسابه في منصة إكس ولا علاقة لها بما قال وما نسبه إليه، وعندما بحث في محرك البحث وجد القول المنسوب لعبد الهادي موزع على كل القنوات والمواقع المعادية للمقاومة.
مقال نيوزويك منشور يوم 12 أكتوبر 2023، أي خمسة أيام بعد انطلاق طوفان الأقصى، وفي التاريخ ذاته تنقل قناة الميادين عن ممثل حركة حماس في لبنان أحمد عبد الهادي قوله: جئنا إلى مطار بيروت لنرحب بوزير الخارجية الإيراني ونشكره على تضامن إيران مع فلسطين. كيف يشكر من غدر به؟
ويوم 16 أكتوبر 2023 صرح للقناة نفسها قائلا “إن معركة “طوفان الأقصى” طويلة، وأكّد أنّه لدى الاحتلال الإسرائيلي “حسابات حول قدرات المقاومة، وموقف المحور ومكوّناته”. وأضاف “في سياق الحديث عن محور المقاومة، أنّ طهران شكّلت غطاءً مهماً واستراتيجياً سياسياً وميدانياً للمقاومة، مُشيراً إلى أنّ الغطاء السياسي من محور المقاومة يريد أن يحافظ على الإنجاز الذي تحقّق في “طوفان الأقصى”، وترجمته عمليا”.
وكل هذا القفز على بديهيات الكتابة هو النقل السليم والتحقق من المعلومات، من أجل أ، يصل بنا إلى خلاصة وهي أن غيران غدرت بحماس واصفا إياها بأنها تتاجر بفلسطين من أجل مصالحها. ربما لا يعرف الكاتب أن أول دعم قدمته الثورة الإيرانية لفلسطين كان لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث انتزعت سفارة “إسرائيل” ومنحتها للمنظمة، وكان هاني الحسن أول سفير لها حيث تسلم مكاتب البعثة الصهيونية، وكان ذلك سبب الحصار، اما المصالح فيمكن تحقيقها عن طريق صفقة بدون عناء ولا تضحيات.
مع كامل الأسف حتى لو كان القلم يساريا والمحبرة وهابية فإن الكتابة تكون مضرة بالذوق والصحة العقلية لأنها تخرم كل مقتضيات الاستدلال السليم.





