عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
نسمعُ بين حين وآخر شكوى غاضبةً من العثور على كتاب بإهداء موقّع باسم ما، وينزل اللوم على صاحب الاسم لأنّه “خان الكاتب” وتوقيعه. كأنّ بينهما عهداً وثيقاً بعدم التفريط في الكتاب، هذا إذا اعتبرنا تخلّيه تفريطاً، فالكتبُ عندما تخرج من بيت مالكها، تجد قارئاً آخر، ربّما أفضل من الأوّل، حتى لو انتهى بها الأمر على رصيف، ويشتريها مارٌّ قد تكون تلك الكتب كنزاً بالنسبة إليه.
في دول كثيرة، تُباع الكتب الموقّعة باعتبارها أشياء نادرة، يحبُّ الناس أن يشتروا الكتاب مُفتَتحاً بلمسةٍ من كاتبه إذا مرّت عليها عقود، خصوصاً أنّ إهداءاتٍ كثيرة لا تحمل اسم القارئ الأول، وبالتالي، يُصبح التوقيع مُلكَ من يحوز الكتاب. ولأنّ ناساً كثيرين يحبّون وضع أسمائهم، فأفضل حلّ هنا هو كتابة الاسم الأوّل. لأنّ الخطأ الذي ارتكبه “المتّهم” هنا أنّه ترك صفحة الإهداء في الكتاب. كان يمكن أن يتبرّع به من دون الصفحة، يحتفظ بها إذا كان صاحب الكتاب أو صاحبته لهما مكانة عنده. فكم من عزيز له كتب غير عزيزة.
في معظم الحالات، تخلّي القارئ هنا عن كتاب خيرٌ للكتاب. فتكديسُ الكتب حالةٌ لا تعني معزّة الكتب عند صاحبها، بل حُبّه فعل الاكتناز، كلّما كبرت مكتبته أشعرته بالراحة، بينما آخرون (مثلي) لا يفضّلون ترك المساحة لكتب لم يقرأوها بعد. ويسرد الكاتب الأرجنتيني الكندي ألبرتو مانغويل، وآخرون، قصص نقلهم مكتباتهم بين دول انتقلوا للإقامة فيها. متحسّرين على ما لم يحملوه. السبب الأساس الذي قد يجعل قارئاً يتحسّر على مكتبته أنّه لم يقرأ ما اشتراه، ودواؤه ألا يشتري إلا ما سيقرأه. وإذا لم يكن المرء قارئاً ناشطاً فلا داعي لأن يشتري الكتب، إلا إذا كان مصاباً بهوس اقتناء الكتب “البيبليوفيلية”، فغالبية الكتب تُقرأ مرّة واحدةً، والتخلّي عنها أكرم لها.
كتب الروائي الأميركي هنري ميلر عن إعادة القراءة، في “الكتب في حياتي”، أنّه وجد أنّ الكتب التي يتوق إلى قراءتها من جديد هي التي قرأها في طفولته. ويرى أنّها ليست تجربةً إيجابيةً، فكم من خيبة أمل تُخبِّئها القراءة الثانية لكتب الطفولة، مثل كتاب “انتصار البيضة” وهو مجموعة قصصية وقصائد للكاتب الأميركي، شيرود أندرسون، وكان لها أثر كبير حين صدرت عام 1921 في أجيال من الكتّاب الأميركيين، واتّضح أنّها “بيضة فاسدة”، لكنّه يُقرّ بأنّها جعلته يوماً يضحك ويبكي.
في الرواية التحفة “محاضرة في المطر” للكاتب المكسيكي خوان بيورو يقول البطل: “أمضيتُ حياتي في ترتيب المكتبة، فبعثرت الكتب حياتي”. وعلى ذكر “محاضرة في المطر”، فهي حتماً من الكتب التي يجب أن تكون في مكتبة أيّ شخص، لأنّها نبيذ معتّق يعود المرء كلّ مرّة إلى تذوق قطرة منه. “الأدب هو ذلك المكان حيث ينهمر المطر، ولقد كرّستُ زمناً طويلاً من حياتي لجمع المظلّات الأدبية. كما أحرقت أهدابي بحثاً عن الاقتباسات”. بالطبع، المظلّات هنا هي الكتب التي تمنح صاحبها ملجأً في قلب المطر.
يتحسّر مانغويل على مكتبته في كتبه عن القراءة والمكتبات، لكن حين نعرف أنّه يعمل جامعَ كتبٍ نعرف سرّ حسرته. هنا يصبح للكتاب قيمة عاطفية ومالية تتجاوز فكرة إعادة القراءة أو القيمة المعرفية. لذا يتورّط قارئ ليس جامعاً عاطفياً، في حسرته على مكتباته، هو الذي يقرأ لأجل القراءة، ويخون الكتاب الورقي باستمرار من أجل نسخة “pdf”، لأنّه يريد قراءة كتب بعينها لا تتوافر حوله، فينتصر لقيمة الكتاب بما هو محتوى على قيمته ملكيةً. وبدل أن يقرأ الكتب التي في مكتبته، لأنّه يسعى إلى فعل القراءة، يقرأ على حاسوبه لأنّه يريد هذا الكتاب بعينه، ولا يتوافر في مكتبته.
في كثير من كتبه مثل “تاريخ القراءة” و”المكتبة في الليل”، كان مانغويل يربط بين المكتبة والقراءة، كأنّهما فعلان لا يتحقّق أحدهما من دون الآخر، مثلما نربط المطبخ بالأكل. لكنّه في آخر كتبه “المسافر والبرج العاج ودودة الكتب… القارئ بوصفه استعارة”، انتقل إلى القارئ بوصفه مركزاً لفعل القراءة بدلاً من المكتبة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.





