ذ.محمد كندولة.
يقول الله سبحانه وتعالى:”وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ” لقد خلق الإنسان لتستغرق العبادة كل حركاته وسكناته، والعبادة هنا تعني، أن يقصد المرء بأي عمل يقوم به وجه الله تعالى ورضاه، فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والأكل والشرب عبادتان، والعمل اليومي، والخروج إلى الأسواق عبادة، مادام الإنسان يقصد وجه الله، لكن الكثيرين منا يحصر هذا المقصد في المشهور من العبادات كالصلاة والصوم وغيرهما، ناسين هذه المعاني الجليلة التي أراد الله سبحانه ان نعيش بها ولها، ومن هنا أريد أن أن انبهك أخي المسلم ،أختي المسلمة إلى هذه العبادة المنسية ، وهي النشاط اليومي في الفضاء العمومي، الذي يخرج المسلم من أجله كل صباح، إما مسافرا بما يعينه السفر من من مشاق وأتعاب ، وإما خروجا إلى متجر أوضعية أو مقر عمل عمومي بما يعنيه من مخالطة واحتكاك، وما يستتبع ذلك من تعب ومخاصمات،لذلك أذكرك أخي ، أختي وأذكر نفسي بعشرة أمور تجعل كل تعب أوسفر أو خروج لعمل في مرضاة الله سبحانه، فكل عمل كان لله ، فإنه سبحانه يرعاه وينميه ويحفظ صاحبه من كل أذى أو مكروه.
فأول هذه الأمور: أن تربط العزم مع الله قبل الخروج من المنزل على العفو عن الأصحاب والرفقاء والزملاء، إذ الأسواق ومقرات العمل، والشوارع والطرقات هي محلات المخاصمة والمناوشة والصراع الظاهر والخفي، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على المسلمين”
بمعنى أن هذا الرجل الشريف يعلن مسبقا عدم مؤاخذة أي أخ له أو رفيق أو زميل يشاركه العمل، من أي ذنب يقترفه في حقه مهما كان.
وثاني هذه الأمور: فعليك أخي أن تتوضأ وتصلي قبل خروجك سائلا الله السلامة قبل الخروج، فإنك لا تدري ماذا يقضى عليك، فالخارج من البيت إلى الأسواق، أو الإدارات بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كالخارج إلى الحرب ، فيبقى لك اخي الكريم أختي الكريمة،أن تلبس من الاعتصام بالله و التوكل عليه دروعا حافظة وصائنة تقيك سهام الأعداء ، قال تعالى:”وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”وقال أيضا:”وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ”
وثالث هذه الأمور: فإذا خرجت من منزلك،فاستودع الله أهلك ومسكنك وما فيه، فإنه سبحانه حري أن يحفظ ذلك عليك،وتذكر قوله تعالى:” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين” وقوله صلى الله عليه وسلم:” اللهم أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل”
ورابع هذه الأمور: فسهلة ميسرة، وهي أن تقول استحبابا إذا خرجت من منزلك”باسم الله توكلت على الله و لا حول و لا قوة إلا بالله، فإن ذلك مؤيس للشيطان منه”
وخامس هذه الأمور: أن تجعل من الأمر بالمعروف طريقا، و من النهي عن المنكر سبيلا، شاكرا الله على نعمة القوة والتقوى اللذان وهبهما الله إليك، قال تعالى:”ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ” فإن أمكنك ذلك دون الوصول إلى أذى في النفس أو العرض أو المال، فالأمر واجب، وإن كان ذلك يصل بك إلى أذى متوقع، أو غالب على ظنك، سقط عنك الوجوب إلى الجواز.
وسادس الأمور؛ وهو أن تمشي إلى عملك أو هدفك بالسكينة و الوقار، قال تعالى:”وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً”
ذكرنا المشي،و الحقيقة أن السكينة والوقار يجب أن تشمل كل الأفعال والأقوال، وكل همس أو حس…و الله الموفق.
وسابع هذه الأمور: إقرأ معي قوله تعالى:”نسوا الله فنسيهم ” فذكر الله سبحانه وتعالى في الأسواق و في السفر والحضر وفي مقرات الأعمال والأنشطة من الأمور التي تجعل الله يذكرك، خاصة وأننا نحتاج إلى معية الله في أوقات الانشغالات بهموم الناس،يقول صلى الله عليه وسلم:” ذاكر الله في السوق كالحي بين الموتى” ولهذا كان بعض السلف يركب بغلته ويأتي السوق فيذكر الله ثم يرجع لا يخرجه إلا ذلك.
وثامن هذه الأمور: لا تنشغل بشغلك مهما كان عن الصلاة في وقتها جماعة، لأن الانشغال عنها يستوجب المقت من رب العالمين، مع رفع البركة في الكسب، فليستح الواحد منا أن يراه الحق سبحانه وتعالى مشغولا بحظوظ النفس عن حقوق الرب، قال تعالى:”اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ”
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في بيته يخصف النعل، ويعين الخادم حتى إذا نودي بالصلاة قام كأنه لا يعرفنا”.
تاسع هذه الأمور: ترك الحلف والهزل والاستخفاف بالناس،قال صلى الله عليه وسلم:” التجار هم الفجار إلا من بر وصدق”
واخيرا فعاشر هذه الأمور: كف اللسان عن الغيبة، وليتذكر قول الله تعالى”ولا يغتب بعضكم بعضا”.
وخلاصة الأمر، إذا التزم المرء المسلم بهذه الأعمال كان في عبادة محضة يجازى بها، فكم من الناس يضربون المسافات الطويلة، عبر السنوات المديدة، ليس لهم حظ منها، لأنهم ما نووها لله، ولا جعلوها في مرضاته، ولا ظهر عليهم أثرها ولا نعمها، ذهاب وإياب، تعب ونصب، قلق وغضب… وكان يمكن أن يكون سفرهم بركة وتوفيق من الله، لوجعلوها لله، ومن هنا كانت هذه الهمسة نذكر بعضنا البعض بأهمية عقد النيات في سائر الأوقات ، قال صلى الله عليه وسلم”إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى'”.





