محمد كندولة
الدعوة أحسن الأقوال، وأفضل الأعمال، والداعية أصدق الناس، وأنشط الخلق، يحب الخير للبشرية، ويكره الظلم وسائر اتجاهاته، رسالي، لا يهنأ حتى يبين،وهو في ذلك يتقن،ويتفنن، يختار أيسر الطرق،وأنجع الوسائل والسبل غايته الإسهام في إسعاد الناس، والتفريج عن المكلومين، والوقوف مع ذوي الحاجات، بدون مقابل ، فقد ينفق على أعماله، لكن لا يحب أن ينفق عليه.
في الساحة التبليغية والإرشادية، نلاحظ نوعين من الدعاة،داعية متكلم، وداعية مترنم، فأما الأول، وقد نسي حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاجتهما إلى العلم والرفق والصبر، فهو يتكلم في كل شيء، وعن لاشيء، يترك هموم الناس وغمومهم، ويتحدث عما لا يقضي عنهم النوائب و الفواجع، ناسيا أن شروط الدعوة معروفا كان،أو منكرا، علما أن الأول يعرف بالاجتهاد، والثاني قائم معلوم بلا تحسس ولا تجسس، ناهيك أن الداعية المتكلم، لا قدرة له، وقد يعاني من نواقضها، كالخوف من الأذى، وتصديقه بعدم جدوى الإنكار، علما أن التدرج في هذا الباب هو الوسيلة الناجعة ،والطريق الموصل، فالتدرج يبدأ بإصلاح النفس، وينتهي بالدعوة إلى إصلاح الغير.
اما الداعية المترنم،فهو الحافظ، القارئ، إذا تلا على الناس القرآن الكريم، خشعوا،وإذا مال بأصواته يمينا، وشمالا، مالت معه الأجساد في كل إتجاه، قد يقرأ الداعية المترنم، في حلقات في البوادي،أو في المدن،في المساجد أو الزوايا، في القصور أو بجانب القبور، أو على أمواج الأثير، وقد يصل حتى ليقرا في البيت الأبيض، بحضورالرئيس الأمريكي، أو ملكة ابريطانيا، لكن بدون تدبر،أو تفكر،أو تأمل، في الآيات(أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء)، يصيح السامعون إليه بالتهليل والتكبير، وقد وضعوا أيديهم على صدورهم، كما يتفاعل الجمهور مع من يعشقون من المغنين والمغنيات،فلا حديث عن الحرية، وقيودها.ولا عن تصدع البنيانات الداخلية المجتمعية، ولا حديث المآزق والمزالق، والفواحش والهوامش وعن تقارير الأنظمة الدولية والعالمية، في السياسة والاقتصاد، ولا عن أسباب التمكين والنهوض الحضاري، وانكماش وسائل النهضة بسبب التبعية، والسطحية والجمود الرتابة في الحياة في عالم تتسابق فيه البرامج والأطاريح في كل ما يشغل الدنيا،مع تنامي أدوات القوة،ووعاءات الأدلجة والتمويه.
الداعية المترنم يشدو بصوته،ويعلي من مقامات حنجرته، في عصر يسيطر فيه الاستحواذ والتعددية المقيتة،والتواء الشرعيات والأشرعة، فلا توجيه في أساليب التغيير الإجتماعي، في وقت استأسد فيه التغيير الموجه بقوى خارجية،حيث ساد منهج الاسترضاء،ومنهج التكييف السياسي، وأسلوب التغيير الجدري الراديكالي. وأخيرا فالداعية المتكلم، والداعية المترنم،يتفقان من حيث لا يدريان ،فهذا ينتصر باللغو،والثاني يتفاخر بالشدو.





