عبد الإله بنكيران وموقفه من “محور المقاومة”*

إيطاليا تلغراف

 

 

 

إدريس عدار

 

 

 

ظلت القضية الفلسطينية المجال الذي ينتعش فيه عبد الإله بنكيران وأتباعه منذ انتفاضة الأقصى سنة 1987، أما قبلها فكانت وجهتهم هي دعم “الجهاد الأفغاني”، الذي يمثل ذروة التوظيف الاستخباراتي الأمريكي للحركات الجهادية، وهذا الانتعاش مرده إلى أن الجو العام كله كان منخرط افي دعم القضية، وبالتالي لم تكن مكلفة مثل القضايا السياسية والاجتماعية، التي مثّل فيها ما يسمى “تيار الهزيمة”. اليوم يأتي زعيم “تيار الهزيمة” قصد تقويم “تيار الشجاعة” والإقدام والتضحيات والشهادة والاستشهاد.
بنكيران في كلمته أكد بالملموس أنه ليس له “لا في الدين ولا في الدنيا”، وليس له من هذه الأخيرة سوى معاشا منتفخا للغاية، أما ذمته السياسية فرهينة بكثير من القوانين التي طوّق بها أعناق المغاربة لسنوات طويلة واستغلها أخنوش، زعيم تجمع المصالح الكبرى، في “إعادة تربية المغاربة”، أما في الدين فقد أثبت أنه في مستوى “القاع” من حيث معرفته بالتاريخ والعقائد، ولهذا في بداية كلمته قال كلاما غير مفهوم وملتبس جدا.

بعد حكايات لا أساس لها، وبعد حديث عن القضية الفلسطينية بلا أساس، قال إنه لا يفهم هؤلاء الإخوان الذين يتحدثون عن “الشيعة” ورغم ما يقال عن عائشة والصحابة يبقى هؤلاء هم من يدعم المقااااومة. لقد كان بنكيران من أوائل من بنا وأسس لتيار ترويج التشنيعات، وكان ذلك من خلال توزيع كتب مشرقية لزين العابدين سرور وسعيد حوى وآخرين، وكانت جماعته وما زالت تتولى الأمر وتنظم الندوات من أجل ذلك، بل تعتبر أن مشروعها الأساسي هو مواجهة “الروافض”، فلمن توجه الخطاب اليوم؟ ولكن من تعلم “الغمز” لن ينفك عنه، فقد عاد للتشنيعات القديمة حول الصحابة. هذا دليل واضح على أن بنكيران لا يقرأ التراث الإسلامي، وإلا فإن الموروث الروائي يتضمن روايات يتفق عليها الطرفان حول توصيف الصحابة، وهذا المقدار كاف ليكون معيارا لتقييم أي موقف، وبقي الخلاف التاريخي حول “عدالة الصحابة” قائما. لكن بنكيران، الذي يقوم بتنقيط الآخرين، ما هي عقيدته في الأنبياء؟ هل هي عقيدة سليمة؟ ذات يوم كان زعيم “تيار الهزيمة” يخطب في أبناء حزبه في ملتقى للمنتخبين الجماعيين، فقال “إذا كان إبراهيم الخليل شك في وجود الله، كيف لبنكيران ألاّ يشك فيمن ارتكب أحداث 16 ماي”. زعيم للحركة الإسلامية عقيدته في خليل الله أنه شك في وجود الله، اعتمادا على فهم سطحي للآية الكريمة “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”. والأشهر في هذا الأمر أنها من باب “الاستنكار والاستخبار”، حيث كان نبي الله يفكر بصوت مرتفع ليقنع الآخرين، ألم يكن إبراهيم عليه السلام هو الذي كسّر الأوثان ولما سألوه قال لهم: بل فعله كبيرهم هذا. ماذا سيقول بنكيران والعياذ باللهفي هذه النازلة؟ إذا كانت عقيدتك في الأنبياء مخرومة فلا تدعي الدفاع عن الصحابة وأنت جاهل بما ورد في كتب أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

أما فيما يتعلق بتقييمه لمحور المقااااومة فهو لا يخرج عن تلبيس إبليس. بعد أن تحدث عن السيد الشهيد قال ماذا بقي بعد الموت؟ بعد الاستشهاد لم يبق لنا إلا أن نقول بأن الرجل صادق في مسعاه. طبعا كان بنكيران ومن يدور في فلكه في حاجة إلى 83 طن من المتفجرات صبتها طائرات الكيان المؤقت الحربية فوق مربع سكني ليتم بعدها إعلان استشهاد السيد كي يقتنعوا. وقال من يسيء الحديث عنه فهو يتلقى دعما ماليا إلا شخصا واحد وصفه بنكيران بالمجذوب. يقصد “المتقردن” النهاري. المجذوب لا يمكن أن يكون حاقدا. المجذوب عفوي ويحب الناس. الشخص المذكور تتحلب شفتاه كراهية للقوم وغلّا عليهم. ومن باب دس السم في العسل قال بنكيران إن السيد حسن نصر الله أخطأ لما دخل إلى سوريا وهو لم يكن يريد ذلك ولكن تم الضغط عليه. لا أدري من أين عرف بنكيران هذا الضغط. هو لا يعرف شيفرات القوم، التي حددها السيد الشهيد في قوله “نحن سادة عند الولي الفقيه” وعندما قال الخامنائي في تأبينه “سيدنا حسن نصر ااالله”. من كان عبدا لدى أصغر ضابط لا يحق له تقييم الشجعان في موارد البطولة والإقدام، والسيد كان مقاتلا قبل تولي الأمانة العامة. أما فيما يخص دخول الحزب إلى سوريا، وقد كتبت عنه سابقا، أنه لم يعد قضية خلافية إلا عند من يكن الحقد للمحور، بعد اعترافات الفاعلين وعلى رأسهم حمد بن جاسم آل ثاني، المسؤول القطري عن الملف، الذي تحدث بوضوح عن تمويل الإرهابيين من العالم لإسقاط الدولة في سوريا. لنفترض أن الحزب لم يدخل إلى سوريا، وكان آخر من دخلها. هذا سيعني سقوط سوريا وبالتالي انكسار ظهر المقاومة بمن فيها المقاومة الفلسطينية، فسوريا قطب رحى محور المقاومة. وحينها لم نكن لنسمع زعيم “تيار الهزيمة” يتحدث عن السادة بلغة العبيد.
أعرف بأن موقفكم من دخول الحزب لسوريا ليس وليد تقديرات ودعم للحركات الديمقراطية، والكل يعرف أن الحركات الإرهابية هي التي كانت تعتلي المشهد، ولكن موقفكم ناتج عن أحقاد تاريخية موروثة عن قراءاتكم البدائية للكتب الصفراء القادمة من المشرق ولإنصاتكم البليد لأشرطة الكاسيط، التي تبكي حلب، التي أقام فيها الإخوان المسلمون إمارة قائمة الذات سنة 1982 وساندتهم بريطانيا وفتحت لهم إذاعة بكامل المواصفات.

وقال بنكيران مرددا الكلام الذي ردده الإخوان المسلمون على امتداد الخارطة، أنه في البداية لم يكن له دور كبير، وهذا ما قاله خالد مشعل منذ البداية وما زال يكرره إلى الآن، وهذا مبني على لازمة تافهة “غزة تُركت لوحدها” مع العلم أن حركات المقاومة كلها كانت مع غزة وإيران كانت مع غزة وكذلك سوريا رغم ظروفها الصعبة، وهذه الأطراف أدت الثمن غاليا جدا. وقضية أن الحزب لم يقم بدور كبير في البداية رددها كتبة وغلمان الوهابية السرورية وعلى رأسهم بلال التليدي الذي وصفها بالمناوشات.

أنقل لبنكيران حصيلة يوم واحد فقط، وأدع له البحث عن الباقي، فيوم 30 أكتوبر من 2023، أي بعد 23 من طوفان الأقصى:
– استهداف موقع مسكاف عام بالأسلحة المناسبة وتدمير قسما من تجهيزاته الفنية والتقنية
– استهداف موقع السماقة في مزارع شبعا اللبنانية ‏المحتلة بالأسلحة المناسبة وأوقعوا فيه إصابات مباشرة.‏
– استهداف قوة مشاة إسرائيلية في موقع المالكية ومحيطه بالأسلحة المناسبة وأوقعوا فيها اصابات مؤكدة.‏
– استهداف موقع راميا بالأسلحة المناسبة، وتم تدمير ‏قسماً من تجهيزاته.‏ – استهداف قوة مشاة إسرائيلية في موقع بركة ريشا ‏بالأسلحة الصاروخية الموجّهة وأوقعوا فيها اصابات مؤكدة إضافةً إلى ‏اصابة تجهيزاته اصابةً مباشرة.‏
– استهداف مسيرة إسرائيلية في منطقة شرق الخيام ‏بصاروخ أرض جو وأصابوها اصابة مباشرة، وشوهدت بالعين المجردة ‏وهي تسقط داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. ‏
لقد كان الحزب منذ البداية، يا صاحب التقاعد السمين، يخوض معركة ضد قوات “الكيان المؤقت” في إطار الإسناد، وذلك في سياق دقيق وفي ظل رفض مطلق من أحزاب لبنانية لهذا الإسناد.
ويا صاحب التقاعد السمين لماذا لم تتحدث ولو مرة واحدة عن أردوغان؟ لماذا لم تبعث له رسالة بسيطة كي يوقف التجارة مع الكيان المؤقت ويقطع العلاقات؟

*رد على كلمة عبد الإله بنكيران، الأمين العام للعدالة والتنمية ، في المهرجان الخطابي الذي نظمه حزبه بالدارالبيضاء يوم 27 أكتوبر 2024.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...