ذ.عبد القادر الفرساوي
في ذلك اليوم الملبد بالغيوم الثقيلة، حيث كان صوت الرعد يتردد في السماء كتحذير، وبينما كانت الأمطار تضرب الأرض كطبول حرب، استعدت لورديس لمشوارها العادي. كانت تحمل على ذراعها صغيرتها أنخِلينا، تلك الطفلة التي بدت كالزهرة النائمة، وكان إلى جانبها أنطونيو، رفيقها الذي يكبرها بسنوات عديدة، يعانق يديها بإحكام كما لو أنه يشعر بأن تلك العاصفة تخفي أكثر مما يبدو.
الشارع كان يعج بالسيارات، والأمطار بدأت تغمر الطرقات وتُحَوِّلُ الشوارع إلى أنهار صغيرة. عندما وصلت الأخبار عن بدء فيضان ضواحي بالينثيا، نظرت لورديس إلى أنطونيو نظرة فهم منها أنها تخشى على عائلتها الصغيرة، لكنها لم تبح بما يعتمل في صدرها. بادر أنطونيو بالمغادرة سريعا، يحاولان العودة إلى منزلهما قبل أن يتضاعف الخطر. كان يقود السيارة بثبات، فيما ظلت لورديس تراقب الطريق بعينيها المتوترتين، تشعر بثقل المسؤولية على كتفيها من جهة، وتشعر بعجز أمام قوى الطبيعة من جهة أخرى.
بينما انطلقا بسرعة نحو الطريق الذي بدا وكأنه امتداد للسيل، غمرتهما المياه فجأة، صعدت لورديس إلى سقف السيارة كما لو أنها تعلق بأمل أخير، تمسّكت بأنخِلينا كأنها تمسك حياتها، رفعت هاتفها بيد مرتعشة واتصلت بصديقتها التي طالما كانت صديقتها منذ الطفولة، وطلبت منها العناية بطفليها الآخرين، وكأنها كانت على يقين بأن اللحظات القادمة لن تكون رحيمة.
في تلك اللحظة، عادت بذاكرتها إلى الوراء، تذكرت كيف كانت تستيقظ كل صباح على صوت ضحكات أطفالها، كيف كانت تعد الإفطار وهي تدندن بأغنية قديمة تعلمتها من والدتها. لكنها لم تستطع مقاومة تسلسل الذكريات المؤلمة. عرفت لورديس أن هذه الأمطار ليست عابرة، وأن السماء كانت تعد لحظة النهاية.
ولم يكن المصير أكثر رحمة في ذلك اليوم لعائلة أخرى في الطرف الآخر من المدينة. كانت مارتا، امرأة خمسينية، تعيش مع ابنتها الصغرى كارلا، قد سمعت أيضا عن الفيضان القادم، لكنها ظنت أن المياه لن تصل إلى حافة منزلها. إلا أنها كانت مخطئة. بدأت المياه تتدفق تحت الباب وتغمر المنزل شيئا فشيئا، حتى وجدت نفسها تحمل كارلا وتدعو بكل قوتها أن تتمكن من الصمود.
خرجت مارتا حاملة كارلا، وهما تبحثان عن مكان مرتفع، لكن الماء كان أسرع وأقوى، وقد شعرت للحظة كما لو أن الأنهار كلها تلاحقها هي وابنتها فقط. في تلك اللحظة، لم تجد سوى أن ترفع كارلا فوق رأسها، محاولة أن تبقي الصغيرة جافة رغم أن المياه قد غمرت نصف جسدها، لكنها أدركت بمرارة أنها، مهما فعلت، كانت تعاند الطبيعة التي بدت مصممة على إسدال الستار على هذا الفصل من حياتهما.
فيما كانت السماء تجرف أرواح الأبرياء واحدا تلو الآخر، كان هناك من يقف عاجزا، يتأمل مشاهد الإنقاذ القليلة التي لا تزال قيد التنفيذ. رجال الإطفاء، رغم صراخ الأهالي، كانوا يقفون في ذهول، وقد انقسموا بين محاولة إنقاذ من يمكنهم الوصول إليه وبين مواجهة غضب الطبيعة الشديد.
ما بعد الكارثة كان أصعب. أطفال صغار ينتظرون أن تُفتح أبواب بيوتهم ليعود آباؤهم، فيما الحقيقة التي تنتظرهم لم تكن سوى أشباح من الذكريات.





