ذ.عبد القادر الفرساوي
كانوا يتصورون أن حياتهم ستنقضي على نحو آخر، وأنهم سيحصدون بعضا من ثمار الجهد الذي بذلوه طوال عقود في سبيل راحة أبنائهم. كان كل جهد وكل لحظة تعب، كل دمعة وكل تنهيدة، تذهب في اتجاه واحد: “لأجل أبنائنا”. عملوا في صمت، اجتهدوا بعرق جبينهم، تحملوا الجوع كي لا ينقص أبناؤهم شيئاً، تعبوا من أجل أن يبتسم الأبناء، وليطمئنوا أن الغد سيكون أفضل لهم. لكن هل كان ذلك العطاء سيُقابل يومًا بما يستحقه؟ هل كانت الحياة سترد لهم جميلهم حينما يشيخون؟
لكن، إذا كانت هذه الأسئلة تُطرح في صباح اليوم الذي شهد الحريق المأساوي في دار المسنين في بلدة فيافرانكا دي إيبرو، حيث أودى الحريق بحياة عشرة مسنين، فإنها تكاد تكون جزءًا من المأساة الأوسع التي يعيشها العديد من الآباء الذين جندوا حياتهم لأبنائهم. هؤلاء الذين قدموا كل شيء، يواجهون في النهاية مصيرا بائسا لا يُذكر فيه إلا الوحدة والعزلة في مكان لم يكن يومًا ما في أحلامهم.
لقد كانت حياتهم، منذ البداية، مليئة بالتضحيات. كانوا يظنون أن هذه التضحيات ستثمر في النهاية عن حياة مليئة بالراحة والطمأنينة، ولكنهم اكتشفوا أن الحياة تأخذهم إلى طريق آخر، حيث لا تجد أي يد ممتدة لتمد لهم العون في آخر أيامهم.
لكن المأساة لا تقف هنا، ولا تنتهي عند مجرد العزلة في دور المسنين، لأن الواقع في العديد من الحالات أشد قسوة. هناك آباء وأمهات، بذلوا كل ما يملكون من جهد وقوة ليبنيوا بيوتًا لأبنائهم، ليكون لهم ملاذا وأمانا. شيدوا جدرانا بعرقهم، وحفروا أساسات بدمائهم، وكانوا يأملون أن يعيشوا فيها بسلام في شيخوختهم. لكن الأيام، مثلما تدور، لا تمنحهم هذا الراحة. فما أن يصبح الأبناء قادرين على السير في طريق الحياة بمفردهم، حتى يجد هؤلاء الآباء أنفسهم وهم يواجهون واقعا مُرا:
أن أبنائهم، الذين كانوا يومًا ما حلما في عيونهم، لم يعودوا يرون فيهم سوى عبئا.
وما أبشع أن يرى الأب أو الأم، بعد أن شيَّدوا بيوتهم بصبر وتعب، أن أولئك الذين بذلوا حياتهم من أجلهم، قد أصبحوا في النهاية مجرد ضيوف في بيوت غريبة، بيوت لا تملك أي علاقة بالحب الذي كانت تحملها جدران منزلهم الذي شيدوه بيدهم. هذه البيوت التي عاش فيها الأبناء سنواتهم الأولى، وتحملوا فيها أعباء الحياة، أصبحت اليوم فارغة من كل شيء سوى الذكريات، بينما تُترك الأمهات والآباء في دار مسنين تفتقر إلى الألفة والدفء، في حين يعيش الأبناء حياة مرفهة مع زوجاتهم أو عشيقاتهم، وربما كلابهم، في منازل كانت يوما مكرسة لهم.

إن هذا الواقع المؤلم هو الوجه الآخر للأبناء الذين يركبون مع الحياة في مساراتها الجديدة، تاركين آباءهم في الأماكن الباردة التي لا تعكس شيئا من العواطف التي خصصوها لهم يوما. يأخذهم الأبناء إلى تلك الدور ليس فقط بسبب الظروف، بل في كثير من الأحيان، لأنهم يفضلون الاستمتاع بحياتهم الخاصة بعيدا عن أي مسؤوليات. يظنون أن الحياة قد فرضت عليهم هذه الخيارات، ولكنهم في الحقيقة ينسون أن من كان لهم حبل النجاة في أيامهم الأولى، أصبح اليوم في حاجة إلى حبلٍ من حبٍّ ووفاء، حبل يربطهم ببعضهم البعض في آخر الأيام.
هذه الحقيقة القاسية تكشف لنا عن مرارة الواقع الذي يعيشه كثير من الآباء الذين ضحوا بكل شيء لأجل الأبناء، لينقض عليهم الزمن في شيخوختهم، ويتركهم في عزلة غير مستحقة. فهل كان هذا هو جزاء من عملوا بجد طوال حياتهم؟ هل كان هذا هو الثمن الذي دفعوه من أجل أبناء أصبحوا يظنون أن الزمن قد أخذ منهم ما يكفي؟
في النهاية، هناك سؤال يظل يراودنا: هل نسمح لهذا المآل بأن يكون هو النهاية؟ وهل سنسمح لأنفسنا بأن ننسى أولئك الذين كانوا كل شيء في حياتنا، وتجاوزتهم ظروف الحياة حتى أصبحوا مجرد رقم في سجلٍ نمر عليه مرور الكرام؟
إن الرد على هذا السؤال يجب أن يبدأ منا الآن، في لحظة نعي فيها أن الوفاء هو أساس الحياة، وأن العناية بالآباء في شيخوختهم ليست عبئا، بل هي شرفٌ يجب أن نتحمله، تمامًا كما تحمَّلوا هم عبء تربية وتعليم وإعالة أبنائهم. إن بيوتنا، التي بنيت بأيديهم، هي الأماكن التي ينبغي أن يكونوا فيها، وأماكننا نحن، هي تلك التي يجب أن نعود إليها عندما يصبح لدينا الوقت للاحتفاظ بالذكريات، واستعادة العاطفة.





