مسالك التقوى

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ذ.محمد كندولة

 

المتأمل في سورة البقرة والمتدبر ،للحرب الثالث منها، وفي ثمنها الرابع المشهور عند الناس ،نلاحظ أن هذا المقطع موجه لأولي الألباب، ولأصحاب العقول، وأهل البصائر، يدلهم فيه سبحانه وتعالى، إلى مسالك التقوى والتي فسرها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه،في أربع أمور: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، والتي سأل عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبي بن كعب رضي الله عنه حين قال، ما التقوى؟.
فأجابه قائلا،يا أمير المؤمنين، أما سلكت طريقا فيه شوك ؟ فقال نعم،قال وماذا فعلت؟ قال عمر: أشمر عن ساقي،وأنظر في مواضع قدمي،وأقدم قدما وأوخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة، فقال ابن كعب: تلك هي التقوى، فهي تشمير للطاعة، ونظر في الحلال والحرام، وورع من الزلل، ومخافة وخشية من الكبير المتعال ،وهي أساس الدين، وبها يرتقى إلى مراتب اليقين، وزاد القلوب، والأرواح فيها تقتات وبها تقوى.
هكذا فالتقوى: عمل وتشمير وتبصر ويقظة وخوف، ورقي ويقين وزاد.
في هذا الثمن، وبالنظر الشمولي ،وبتدبر يقيني، وبفكر تأملي، يبين الله سبحانه وتعالى لعباده، الأمراء والعلماء والأغنياء والفقراء، والخاصة والعامة، مسالك التقوى، والطرق المؤدية لها ،وهي أربعة:
– البر بالطريقة الصحيحة.
– واعتماد القصاص لحياة أرقى وأفضل.
– والوصية قبل الوفاة.
– والصيام الشرعي.

المسلك الأول: البر الصحيح ، بمسطرتي النفي و الإثبات، نفى الله سبحانه وتعالى، بر الوجهة، الذي يهتم بالقبلة، شرقا أو غربا، وأثبت بر الفلاح والفوز، فمن جهة الإيمان، فهو توحيد الله والإيمان به، ربا وإلها ،فردا ،صمدا،لم يلد ولم يولد،و لا ينازعه أحد، ولا يكافئه مخلوق، والإيمان باليوم الآخر، يوم حساب وعقاب، وكذلك الإيمان بالملائكة، مخلوقات نورانية، لها موقعها،وظيفتها، لا ذكورية ولا هي انثوية، خلصت للطاعة والعبادة، ثم الإيمان بالكتب كلها ،التي أنزلها الله لعباده، عن طريق رسله وأنبيائه ،الذين لا يفرق بين أحد منهم.
ويعضد البر من باب الإيمان، البر من جهة العمل،وذلك بإنفاق المال، هذا المحبوب للقلب،الذي يميل الإنسان إلى جمعه،وكنزه ،إنفاقه على ذوي القربى والأرحام ،وعلى اليتامى، وهم من فقدوا آباءهم ، وعلى المساكين الذين يملكون ما لا يستطيعون العيش به عيشة تامة وراضية، وكذلك ينفق المال المحبوب على من يسأل القوت قبل الموت، وعلى الأسرى والعبيد .
فالانفاق على هؤلاء، كل بعذره، وبعلة حاجته، هو البر المطلوب عمليا، والذي يقوى بالبر التعبدي ،وهو إقامة الصلاة،كما أراد الخالق ، وإيتاء الزكاة كما فرض العلي الحكيم.
وما دام المجتمع الإسلامي، مجتمع تعاقدي،البيع فيه والشراء،يكونان بالخيار، أمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعقود والعهود، بين المتعاقدين والمتعاقدات.
المسلك الثاني: اعتماد القصاص، الذي هو معاقبة الجاني، القاتل،عمدا بشرطي المساواة والمماثلة: الحر بالحر،والعبد بالعبد، والأنثى بالانثى، لكن إذا سلك ولي المقتول سبيل العفو فله ذلك، لكن بشرطين: جعل المعروف والأعراف منهجا للصلح والمصالحة، وتقديم دية كاملة،في الوقت المناسب وبالطريقة المتعارف عليها.
وهذه مسطرة ربانية، وتخفيف من الله الرحمن الرحيم، ولا ينبغي أن تبقى مفتوحة، بل أغلقت بوعيد منه سبحانه وتعالى، العلي القدير، للذي يعتدي ويعود إلى ظلمه،باقتراف القتل مرة أخرى بعد هذه التوجيهات والتخويفات.

والتشديد في هذه المسطرة، مبناها على أساس الملك، ومناط الحياة السعيدة.
هذا ومن صور القصاص ،أن يؤخذ الحق من الظالم للمظلوم، إرجاعا للحقوق من خصوم الدم.
وهذا لا يفهم مقاصده ،ولا فحواه، إلا أهل الفقه الدستوري، وأهل الاختصاص من القانونيين، وأهل الشريعة من الفقهاء الذين لا يفصلون الدين عن الدولة.
المسلك الثالث: الوصية قبل الموت:
ما ذكرناه يختص بطرق الحياة السعيدة، ومسالكها النظيفة،فهل اكتفى القرآن الكريم بتطويق وتحصين حياة الناس فقط، والموت يلحقهم،ويتركهم مع شتات الحقوق ،وفوضى المصالح،واختلاط في الواجبات، بإضاعة الأموال وتعكير الأحوال، نقول : لا
لقد شرع الله سبحانه وتعالى،للمسلم الوصية قانونا ،لضمان حقوق الورثة والأرحام، قبل موته،بأن يجعل لهم حظوظا من ماله كتابة، مخافة الطغيان والظلم ، لأن الإرث من مفرقات الأسر، والعائلات، حيث يتشرد الأطفال، وبخاصة الإناث منهم.
فالمسلم قبل موته له أن يوصي بقسط من أمواله للوالدين والأقريين، وغيرهم من ذوي الحاجات بوصية تحترم المعروف والاعراف وتقر بخصلة الإعتراف.
المسلك الرابع: صيام رمضان وفدية غير الصائم بعذر:

في هذا الجزء من الثمن الرابع، يخبر الله سبحانه وتعالى، بفرضية الصوم طريقا لتحقيق التقوى ، وذلك في أيام معدودات، كما فرضت من قبل على الناس، لكن الصوم غير مطلوب من الجميع، فالمريض لا يصوم،والمسافر كذلك، فأوجب على الأول الفدية بإطعام مساكين، وعلى الثاني قضاءه.
هكذا تتحقق التقوى، وهكذا يكون السير إلى الله سبحانه وتعالى، فالبر الجميل، والقصاص العادل،و الوصية المتقنة، والصيام الشرعي، هي مسالك لتحقيق مرادات الله سبحانه وتعالى، في الدنيا والآخرة.
يقول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى:” اتقوا الله حق اتقاته ” أنها: أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى”.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...