الدكتور فؤاد هراجة
كاتب وباحث في الفلسفة السياسية والأخلاق
دخل معظم المتابعين للوضع العسكري في الشرق الأوسط، حالة ذهول أمام ما يجري من سقوط مدوي لعدة مدن في يد المعارضة المسلحة السورية. ولعل ما زاد من عمق هذا الذهول، كونه من جهة، حدثَ مباشرة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان المقاومة والكيان الصهيوني؛ وكونه من جهة أخرى، وقع تباعا ودون مقاومة للجيش النظامي السوري. هذا الوضع دفع بهؤلاء المتابعين إلى الانقسام بين ثلاث فئات كبرى عبَّرَت عن نفسها على النحو التالي:
– الفئة الأولى: تعتبر أن ما يقع في سوريا مفاجئ، وأن الوضع الداخلي معقد جدا، وأن أحداث سقوط المدينة تلو الأخرى يحتاج إلى الكثير من التريث حتى تتبين -هذه الفئة- معالم نوايا المستولين على المدن. على ذلك، فإن الحال يستدعي الصبر الجميل والتؤدة قبل إصدار أي حكم على أي طرف من أطراف الصراع خاصة المعارضة المسلحة التي لم تعلن عن أهدافها وغايتها مما تسميه تحريرا للمدن.
– الفئة الثانية: اعتبرت ما يقع واضحا ولا يحتاج إلى أدنى تأويل، سيما وأنه جرى مباشرة عقب اتفاق وقف إطلاق النار، وتوعد مجرم الحرب النتن ياهو بشار الأسد ونظامه. بالتالي فإن هذه الفئة تتحدث بيقين وموثوقية أن المعارضة المسلحة السورية تم إعدادها مسبقا لهذا السيناريو، وأنها قامت بما سمته “ردع العدوان” بإيعاز من الكيان الصهيوني، وبتوظيف وتسليح وتخطيط أمريكي، وبتنسيق تركي عربي. بناء عليه، فإن هذه الفئة موقنة بوجود مؤامرة، ما يدفعها إلى توجيه أسئلة عديدة للمشككين في أطروحتها من قبيل؛ لماذا هذا التوقيت بالضبط؟ ومن أين حصلت المعارضة على ما تمتلكه من أسلحة متطورة؟ ولماذا تزامن الهجوم مع قصف صهيوني للحدود اللبنانية السورية؟ أليس ذلك غطاء جويا للمعارضة السورية المسلحة؟ ثم من أين طلعت هذه المعارضات المسلحة التي تعتبرها -هذه الفئة- فاقدة للشرعية الثورية لأنها ليست سورية أصلا باعتبارها مكونة من شذاذ الآفاق من السلفيين الجهاديين الذين تنعتهم “بالإرهابيين”؟ والأهم في نظرها، في سياق معركة طوفان الأقصى، لماذا لم تطلق هذه المعارضة نصف رصاصة على العدو الصهيوني طيلة عدوانه على غزة؟ والجواب بالنسبة إليها يتجلى في كون هذه المعارضة مجرد أداة في يد الصهيونية الأمريكية لتنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة، والإسراع بمشروع الشرق الأوسط الجديد.
– الفئة الثالثة: تتعامل بنفس منطق الفئة الثانية من حيث اليقين والموثوقية في التحليل لكن في الاتجاه المعاكس، معتبرة أن النظام السوري عميل وذيلي، فهو لا يمتلك قراره بيده، بقدر ما هو مرهون بالقوى الدولية والإقليمية متمثلة بالخصوص في روسيا وإيران. أما بخصوص الاتهامات الموجهة إليها فترد عليها بأسئلة مماثلة من قبيل: ألم يحتمِ نظام الأسد بالحرس الثوري الإيراني وميلشيات حزب الله، وفيالق العراق، والسلاح الجوي الروسي؟ أليسوا هم أيضا شذاذ آفاق، أم أن لهم مشروعية فوق وطنية؟ ثم لماذا المزايدة بالحرب على غزة، فهل أطلق النظام السوري الذي يمتلك جيشا وترسانة عسكرية ربع رصاصة في وجه الكيان الصهيوني الذي يحتل أرض الجولان، والذي نفذ عدة عمليات اغتيال في حق دبلوماسيين وسط القنصليات داخل العاصمة دمشق، والمستبيح لأرض سوريا متى شاء وكيفما شاء؟ علاوة على ذلك، أليس من حق المعارضة السورية التي اكتوت بتحالف بشار وإيران وحزب الله وروسيا أن تستثمر الوضع المناسب لاسترجاع المدن الكبرى، وتحرير الأسرى، وإعادة المهجَّرين إلى بيوتهم؟ أم عليها أن تتعامل بغباء سياسي وعسكري، فتنتظر خروج الحلفاء الثلاث من حالة الحرب التي يعيشونها، ثم تستأنف المواجهة معهم بعدما أمهلتهم لدحرها؟ وبالمماثلة تؤكد هذه الفئة أن النظام السوري غير قادر تماما على حماية نفسه بنفسه، والدليل أنه عندما انشغل حلفاؤه بحروبهم لم يقوَ جيشه على الصمود والمقاومة أمام زحف المعارضة المسلحة التي هيمنت على مدن كبرى في زمن وجيز جدا لم يتوقعه أحد. أما الزعم بأن ثورات الربيع العربي مجرد أداة في يد الصهيونية العالمية، فيدحضه قبول الثورة الحوثية في اليمن والثورة البحرينية، ما يعني فقدان المصداقية أمام الكيل بمكيالين؛ حيث الثورة هنا فوضى خلاقة، والثورة هناك مشروع وطني!
هكذا، فإننا عندما استعرضنا هذه الفئات الثلاث، لا نروم البتة الانتصار لإحداها على الأخرى خاصة الفئتين الثانية والثالثة، كما لا نبغي اتهام الفئة الأولى بالتهرب والتنصل من إبداء موقفها حيال الفريقين خشية تقوقعها مع طرف دون آخر، إنما نتغيَّا بهذا البسط وصف المشهد كما هو، بغية استحضار معطياته خلال تحليلنا للوقائع الميدانية بالأراضي السورية، دون الوقوع في شراك السؤال الدوامة، من الذي سبق البيضة أم الدجاجة؟ فتحليلنا سينصب على البيضة والدجاجة لأنهما أصبحا واقعا يتمنع على الارتفاع؛ وأقصد بهما هنا من الذي بدأ الاستقواء بالخارج النظام أم المعارضة؟ أحسبه سؤالا أضحى متجاوزا أمام ما خلفته أحداث التدخل من كلا الطرفين، اللهم من قبيل تبرير كل طرف لجرائمه التي ارتكب.
على هذا الأساس، فإن التمشي الذي سنتبعه في تحليلنا سيكون مغايرا تماما للسجالات الدائرة بين أطراف النزاع من جهة، وبين المؤيدين والمعارضين في الساحة السياسية العربية والدولية من جهة أخرى. وبذلك، نؤكد أن ثمة مغالطة منهجية في معالجة هذا الموضوع، تكمن في تعمد اجتثاث سيرورة الأحداث من بداياتها، ومحاولة تصوير ما حدث ويحدث من عنف وتقاتل على أنه هو النسخة الأصلية للثورة السورية التي اندلعت في 15 من مارس 2011. والحقيقة، إن ما عاينّاه منذ دجنبر 2013 من تحويل الثورة السلمية عنوة إلى اقتتال عسكري، نعتبره تحريفا متعمدا من قِبل أطراف داخلية وكل الأطراف الخارجية لمسار الثورة؛ والسبب ألا أحد من هذه الأطراف كان يرى مصلحته في الجمهورية السورية الجديدة، لا معسكر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، ولا معسكر روسيا، ولا معسكر إيران ومحورها في المنطقة.
ومع ذلك، نعود لنقول للفئة الأولى، لماذا التريث وسيرورة الثورة حافلة بالمعطيات التي تخول لنا بناء مواقف موضوعية مما يجري، فما علينا إلا غلق ثقب الذاكرة الذي تتسرب منه الأحداث، والتخلص من ذاكرة السمكة التي كلما نجت من طعم السنارة عادت لتَعلَقَ بها، وأقصد هنا حصر التحليل فيما بعد الثورة السلمية، حين تحولت سوريا إلى مسرح للصراع العربي الإيراني والصراع الروسي الأمريكي. وتأسيسا على ما سبق، لابد من التذكير بالمعطيات والمراحل المهمة التالية التي قطعتها الثورة السورية:
• تشكيل المجلس الأعلى للثورة السورية يوم 4 دجنبر 2011 والذي يضم 40 مجلسا ثوريا معظمهم من المهنيين والعلماء والدعاة والأكاديميين وعلى رأسهم جورج صبرا.
• تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي تشكل في قطر في نونبر 2012، وترأسه آنذاك معاذ الخطيب.
• تشكيل هيئة تنسيق المعارضة السورية في المهجر برئاسة هيثم المناع.
• اجتماع مجموعة العمل من أجل سوريا بمكتب الأمم المتحدة بسويسرا وإصدار وثيقة جنيف1 بمشاركة ممثلِين عن النظام الحاكم وممثلِين عن المعارضة، بحضور كل من: الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، والأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزراء خارجية روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وتركيا وإيرلندا الشمالية وممثلة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية. وقد خلص هذا الاجتماع إلى ما سمي بخطة كوفي أنان لحل الأزمة السورية والتي تضمنت 6 نقاط وهي:
1- أن التفاوض عملية سياسية يقودها السوريون دون غيرهم.
2- أنه يتوجب على كل الأطراف وقف أعمال العنف المسلح.
3- أنه يتعين تطبيق هدنة لإدخال المساعدات.
4- أنه يتعين الإفراج عن جميع المعتقلين.
5- أنه يتوجب ضمان حرية الصحفيين المحليين والدوليين.
6- أنه يتوجب ضمان حرية تكوين المؤسسات وحق التظاهر السلمي.
• مؤتمر جنيف2 للمعارضة الديمقراطية السورية 28 و29 يناير 2013.
• اجتماع الحلف المدني الديمقراطي بفرنسا 2 و3 مارس، الذي تبنى وثيقة جنيف1 من خلال الاتجاه نحو حل سياسي تفاوضي توافقي، يقوم على عدم وضع شروط مسبقة للحوار خلال التفاوض، في أفق تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة ثم انتخاب رئيس جديد لسوريا. كل هذه البنود رحبت بها معارضة الداخل واعترضت معارضة الخارج أن يكون الأسد جزء من حل الأزمة، دون التحفظ على باقي شخصيات النظام الحاكم.
• تشكيل التحالف “الإسلامي” دجنبر 2013، ردا على قطر من قِبَل الإمارات والسعودية وبإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية، حينما استفردت قطر بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ، حيث ضم هذا التحالف 72 تنظيما مسلحا من بينهم داعش والنصرة، من هنا بدأ منزلق العنف وعسكرة الثورة لتقويض كل مساعي التفاوض السياسي، الذي عرقله بالأساس اختلاف وزراء الخارجية الروسي والأمريكي لافاروف وهيلاري كلينتون بخصوص دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية. هذا التعثر سيصبح عقبة كأداء أمام تنزيل اتفاق جنيف المتمثل في خطة كوفي عنان، والتي كانت على وشك تدشين حل سياسي توافقي يجنب سوريا سيناريو التقسيم أو سيناريو انهيار الدولة بدون مشروع بديل. لكن مع الأسف، جرت الأحداث بما لا تشتهيه المعارضة الثورية السلمية، فاستغلت الجماعات المسلحة تعثر المفاوضات وسقطت في العنف الذي كان يرجوه النظام السوري بالليل قبل النهار، وأخرجته من عنق زجاجة التفاوض الذي كاد يخنقه ويجرده من كل السلطات. بذلك، نجح المحور الذي يقود الثورة المضادة بزعامة الإمارات والسعودية من دق آخر مسمار في نعش ثورات الربيع العربي السلمية بعد نجاحه في عسكرة الثورة السورية، وتجييشه وتجنيده وتمويله لعشرات الجماعات المسلحة ثم تسهيل فتح الحدود التركية أمامها لتخريب سوريا وإسقاط الدولة قبل النظام الحاكم. في المقابل دخلت روسيا وإيران وحزب الله وميلشيات من العراق إلى سوريا تحت ذريعة الحفاظ على مصالحها وعمقها الاستراتيجيين. ومن المفارقات العجيبة وقتئذ، أن كل الأطراف المذكورة وبالرغم من رهاناتها المتباينة، كانت تتقاطع في مصلحة واحدة متمثلة في إجهاض الثورة السلمية؛ فالمَلَكِيات كانت تخشى على عروشها من نجاح الثورة وامتدادها إلى دولها، وروسيا كانت تخشى من فقدان أكبر منشأة عسكرية لها في الشرق الأوسط والتي تشكل المنفذ الوحيد لها على البحر الأبيض المتوسط في ميناء مدينة طرطوس السورية، في حين أن إيران كانت ترى في انهيار سوريا خطرا كبيرا على أمنها القومي ومشروعها النووي، أما حزب الله فكان مدينا لنظام الأسد الذي قدم له الدعم سنة 2006 في حربه مع الكيان الصهيوني، ما دفعه إلى الزج برجال المقاومة في أتون حرب دولية بغطاء أهلي. بطبيعة الحال كل هذه التداخلات والتباينات في المصالح ستبحث لها عن دوافع براغماتية أمنية وسياسية وغطاءات طائفية وأحيانا “أخلاقية” من كل أطراف النزاع.
الآن، وبعد عرضنا لأهم مقاطع المشهد السوري منذ انطلاق الثورة حتى وقتنا الحالي، دعونا ننصت إلى الأرقام وهي تتحدث عما خلفه خيار عسكرة الثورة:
500 ألف أي نصف مليون شخص بين شهيد وقتيل.
2 مليون و100 ألف جريح.
13 مليون نازح ومهجَّر.
ما يزيد عن 131 ألف معتقل ومختف قسريا لدى النظام الحاكم
كل هذه الأرقام تكفي لوصف ما يقع في سوريا على أنه جرائم حرب وإبادة جماعية شاركت فيها كل الأطراف وبدون استثناء، مهما كانت المبررات والذرائع المقدَّمة. فلا المصالح الروسية والإيرانية والأمريكية تبرر هذه المجازر، ولا الدفاع عن المقدسات الطائفية ورد الجميل الذي تبناه حزب الله يبررها، ولا الاختباء وراء محور المقاومة والدفاع عن فلسطين يبيحها؛ فالدم واحد والقتل واحد والتهجير واحد ولا مسوغ أخلاقي يقبل أو يبرر الأرقام المهولة التي خلفتها الثورة خاصة بعد عسكرتها وإدخالها دوامة العنف تحت ما سمي زورا حربا أهلية.
بناء على ما سبق، يتبين لنا أن نقطة التحول في الثورة السورية كانت عسكرتها وتسليحها، ثم دخول أطراف خارجية أرض سوريا بغير حق وتحويلها إلى مسرح لتصفية صراعات دولية وإقليمية، حيث تشابك المشروع الصهيوني الأمريكي بالمشروع الإيراني، والمشروع التركي والمشروع الروسي، والنتيجة إبادة الشعب السوري وتهجيره من أرضه. من هذا المنطلق يجوز لنا القول بالمواقف التالية:
أن مشاركة روسيا في الحرب وقصفها الجوي لمواطنين في بلدهم يعد جريمة وتدخلا سافرا في شؤون دولة أخرى، إذ كيف لا تقبل روسيا باقتراب حلف النيتو منها بانضمام أوكرانيا إليه، وتقبل لنفسها بدخول دولة بعيدة عن حدودها وقصف وقتل شعبها؛ منتهى التناقض !
أن مشاركة إيران في هذا الاقتتال كان خطأ استراتيجيا كبيرا سيما وأنها تقدم نفسها حاملة لمشروع المقاومة، والواقع أكد ويؤكد أنها بذلت فيه العطاء الكثير على كل المستويات، ما كان يستوجب منها أداء أدوار مخالفة من قبيل الوساطة السياسة والضغط على نظام الأسد لقبول تسوية سياسية توافقية عوض تشجيعه على دخول دوامة العنف. فما فعلته إيران أفقدها الإجماع على مصداقيتها وسط النخب السياسية العربية والإسلامية، وأحرج الداعمين لمحور المقاومة ووضعهم في مأزق أخلاقي بين تبرير أو السكوت عن جرائم الحرس الثوري الإيراني في سوريا وتثمين دعمها العسكري والمالي للمقاومة الفلسطينية.
أن مشاركة حزب الله في إجهاض الثورة السورية أحدث شرخا في العقيدة العسكرية لمحاربيه الذين تربوا على عقيدة واحدة مفادها أن الكيان الصهيوني هو العدو الوحيد والأوحد الذي يوجه له السلاح. وأمام اضطرار مقاتليه إلى التنقل الدائم والمستمر من لبنان إلى سوريا، تمكن الكيان الصهيوني من رصد كل تحركاتهم ومواقعهم وتواصلهم، واستطاع أمام رخوة التنظيم الداخلي إلى إحداث اختراقات عميقة في بنيته، وتحويل كل مؤسساته وشخصياته إلى بنك أهداف، وهو بالفعل ما أفرز لنا اغتيالات كوادره في دمشق، وتسهيل عملية تفجير البيجر، وعمليات اغتيال قادة الجيش وعلى رأسهم الشهيد السيد حسن نصر الله.
أما الحضور الأمريكي الرسمي الداعم لمخطط التقسيم في سوريا من خلال زرع الفوضى ومساندته للأكراد شمال سوريا فهو مقيت ولا يخفى على أحد، وفي سياقه تندرج أغلب الجماعات المسلحة وليس كلها وعلى رأسها داعش والنصرة، فمعظم هذه الجماعات تتلقى دعما من دول الخليج وعلى رأسها الإمارات، كما تتلقى دعما عسكريا أمريكيا ووظيفتها ترسيخ الفوضى وإضعاف كل الأطراف بما فيهم النظام الحاكم وليس لها أي مشروع بديل للدولة اللهم الفوضى وإسقاط الدولة. وهذا بالفعل لا يخدم إلا مصلحة الكيان الصهيوني لا يأمن على حدوده وجود دولة ديمقراطية قوية ومتماسكة داخليا.
إن ما يقع اليوم من ضعف للنظام الحاكم وحلفائه، واستفاقة مفاجئة للمعارضة المسلحة، وسقوط مدوي لكبريات المدن في يد الجماعات المسلحة، هو نتيجة طبيعية لكل هذا المسار المنحرف عن الثورة السلمية، وهو أيضا إفراز حتمي لمزبلة الاقتتال التي حولت سوريا التاريخ إلى مطرح للدماء والأموات. إن الحرب على غزة لابد أن تكون البوصلة المصححة لهذا المسار المنحرف، فتدرك كل الأطراف أنها أمام مسؤولية تاريخية تقتضي الترفع عن كل الصراعات الطائفية الضيقة، كما على كل الأطراف وعلى رأسها إيران وحزب الله وشرفاء الثورة السورية الدفع نحو مصالحة وطنية وإحياء مسار الحل السياسي التفاوضي، والجلوس معا للتفاهم حول مستقبل المنطقة بعيدا عن الصراعات الصفرية التي لا مستفيد منها غير الكيان الصهيوني. فضلا عن ذلك، ومن باب تحصيل الحاصل يتوجب على الأطراف المعنية بالمقاومة الاعتذار الرسمي للشعب السوري عما لحقه جراء مشاركتها في تحويل الثورة السلمية إلى اقتتال، وإعلان فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الشعب السوري والحرص على تثمين كل مبادرة تمكن هذا الشعب من بناء دولته الديمقراطية. إن تغول الصهيونية العالمية وإمعانها في إبادة الشعب الفلسطيني، وعربدتها العلنية على مقررات الجنائية الدولية، وتعطيلها لكل قرارات مجلس الأمن، ودعمها الكلي واللامشروط للكيان الصهيوني، وإعلانها أن “دولته” في فلسطين المحتلة أصغر بكثير من أدواره وطموحاته، وأن من حقه التوسع وإعادة ترسيم شرق أوسط جديد يسمح للكيان الصهيوني في السنوات القليلة القادمة من توسيع جغرافيته على حساب لبنان والأردن وسوريا ومصر. كل هذه التحديات تلزم كل من محور المقاومة والثوار السوريين الشرفاء وكل الائتلافات القومية العربية والإسلامية، الدفع نحو حل سلمي سياسي تفاوضي يؤسس لجمهورية سورية جديدة تقطع مع الاستبداد وتنخرط في مشروع مقاوم يعجل بدحر الكيان وإزالته وتحرير كل الأراضي العربية. دوننا وهذه الغاية تغليب مصلحة مستقبل المنطقة، واستحضار ما تعانيه غزة من إبادة جماعية وتجويع وتدمير، وما يقتضيه هذا الأمر من الترفع على المكاسب الطائفية الضيقة، لأنها عاجلا أم آجلا ستكون غنيمة في يد الكيان الصهيوني بعد أن تضعف الأطراف بعضها البعض. دون هذا الطريق، ودون هذا التصحيح، وفي هذا التوقيت بالضبط الذي يمعن فيه الكيان الصهيوني في إبادة الشعب الفلسطيني، ستستمر كل الأطراف في سقوط أخلاقي حر، منتهاه تمكين جماعات مسلحة مفعول بها، أو بالأحرى أسميها دمى العرائس “ماريونيت”، تلعب بمصير سوريا ومصير فسطين ومصير الأمة، فهل من بقية عقلاء وحكماء لإنقاذ مستقبل هذه الأمة.
الرباط في: 2 جمادى الآخرة 1446 الموافق 4 دجنبر 2024





