ذ.توفيق بوعشرين
وحيث إن خطب الجمعة في جلّ المنابر أصبحت تنهل من لغة الخشب، وتُكتب بنفس القلم، وتُردد بلا إحساس ولا فهم ولا نبض من دنيا أو آخرة، فقد قررت هذه الجمعة ألا أذهب إلى أي مسجد، صغيرًا كان أو كبيرًا، مزخرفًا أو بسيطًا، في حيّ راقٍ أو في حيّ شعبي. واكتفيت بهذه التأملات في الدين والدنيا والحياة والنفس البشرية، النفس اللوامة. وهو قرار شخصي لا أنصح أحدًا باتباعه، ولا حتى بقراءة تأملاته. فالمغرب بلد علماني، على رواية أحمد التوفيق في رده الصوفي الجميل والشاعري على بنكيران، الذي لم يُثِره في كل رسالة أحمد التوفيق الطويلة إلا التبرؤ من تهمة الإساءة إلى ممثل السلطة الدينية في المغرب. أما الباقي فلم يقرأه، أو لم يجد ما يكفي من الوقت أو العُدة الفكرية والدينية للرد عليه.
• قلة يولدون وقد وهبهم الله السماحة، وصفاء النفس، وطيبة القلب، حتى يعيشوا ويموتوا بقلب رضيع: “قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”.
• قلة يولدون وقد وهبهم الله سعة الفكر، ونور العقل، وقبول الآخر المختلف عنهم كما هو، لا كما يشتهونه أن يكون: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ” (سورة هود).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله عزة النفس، واستقلالية الرأي، وشجاعة القول، خاصة في زمن الخوف والارتياب قال تعالى ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ” (سورة النمل).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله الإحساس بالآخر المظلوم أو الفقير أو المهمش، الذي بلا لسان ولا صوت ولا حيلة: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” (سورة البقرة).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله اتباع الحق، والعدل، والإنصاف، وليس اتباع القوي أو الغني أو النافذ، يلعق حذاءه وعصاه وكل قراراته أكثر مما يلعق الكلب صاحبه: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (سورة النحل).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله بصيرة عبادة إله واحد في السماء، والكفر بكل إله آخر في الأرض (لا إله إلا الله):قال تعالى :(﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف
• قلة يولدون وقد وهبهم الله طاقة الغفران، وملكة السماح، وقوة الصفح عمن ظلمهم وأساؤوا وما زالوا يسيئون إليهم: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (آل عمران).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، فساروا في الأرض وشعارهم: قل كلمتك وامشِ، ولا تنتظر شيئًا من مخلوق لا يملك لك نفعًا أو ضرًّا: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ” (القصص).
• قلة يولدون وقد وهبهم الله حاسة الخوف من الظلم، فساروا في الأرض مرددين: أن تكون مظلومًا خير من أن تكون ظالمًا، والظلم ظلمات يوم القيامة. فالله لم يحرم على نفسه شيئًا سوى الظلم: “إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا”.
• قلة يولدون وقد وهبهم الله الكفاف، والعفاف، والغنى عن الناس، فالغنى الحقيقي أن تستغني عما في يد الناس وتتطلع لما في يد الله: “لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا” (سورة البقرة).
من صفحة الاستاذ توفيق بوعشرين على الفيسبوك





