توفيق بوعشرين
الآن فقط، ربما بدأ يشعر نحو 70 مليون أمريكي، ممن اختاروا دونالد ترامب رئيسًا لبلدهم، بحجم الخطأ الذي ارتكبوه، وبمدى الخطر الذي عرضوا له بلادهم والعالم، بانتخاب رجلٍ متعصب، شعبوي، أحمق، وأخرق، يلعب بالسلاح كما يلعب به طفل في الخامسة من عمره، دون أن يدرك خطورة ما بين يديه…
يقول ثعلب السياسة الأمريكية، الذي جرّب الحرب والسلم، هنري كيسنجر:
“نبتعد عن الحرب ما وسعنا ذلك، ليس حبًّا في السلم، بل خوفًا من خسارته.”
وهذا ما لم يستوعبه عقل ترامب، الذي تورّط في أسرع قرار لدخول حرب في تاريخ الولايات المتحدة!
من دون الرجوع إلى الكونغرس، ومن دون استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، ومن دون تحذير، ولا حتى مجرّد جهد دبلوماسي لإيجاد حل سلمي للأزمة، كتب ترامب منشورًا على موقعه “تروث سوشيال” قال فيه:
“إن حمولةً كاملةً من القنابل أُلقيت على محطة فوردو اليوم ”، وهي منشأة عميقة تحت الأرض تُعد أساسية في البرنامج النووي الإيراني،
واضاف قبل خروجه العلني لاخبار الأمريكيين من البيت الأبيض بان بلادهم دخلت للحرب :لقد استهدف سلاحنا وجيشنا العظيم مفاعل نطنز وأصفهان…هذه مهمة لا يقدر عليها إلا جيشنا )
وكأنه يتحدث عن لعبة بلايستيشن، لا عن دولة يعيش فيها مئة مليون إنسان!
يرمي قنابل خطيرة من السماء، تزن الواحدة منها آلاف الكيلوغرامات، تُلقى على مواقع حساسة، قد يتسرب منها إشعاع نووي يُحدث كارثة في إيران، وفي كل دول المنطقة… ومع ذلك يقول لايران الان حان موعد السلم وهو يقصد الاستسلام !
هل هذا رئيس دولة عظمى؟
يقول للعالم وللأمريكيين: “سأتريث أسبوعين قبل أن أقرر إن كنت سأنضم إلى حرب إسرائيل على إيران أم لا”، ثم وبعد 48 ساعة فقط عن هذا التصريح ، يأمر بشن هجوم على مواقع نووية إيرانية، دون سابق إنذار، ودون التأكد من وجود خطر فعلي أم لا ..فالصوت الوحيد الذي كان بجانبه وقال له لا توجد أدلة ملموسة على ان ايران تصنع سلاحا نوويا هي مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد ! عن كلام هذه السيدة التي تستند على تقارير اكثر من 14 الجهاز استخباراتي تحت يدها قال ترامب انها مخطئة وهذا ما دفع غابارد للتراجع عن رايها والالتحاق بالصف …
هذه تصرفات رئيس عصابة صغير، يحكم بلدة هامشية، يناور ويجرب خدعًا بدائية للإيقاع بضحاياه…ولا يريد ان يسمع صوتا غير صوته وصوته اناه المتضخمة !
فأي عار هذا الذي يلحقه الرئيس الثرثار والمغرور بدولة كبيرة، كانت عظيمة، قبل أن يحكمها رجل شعبوي مريض يذهب إلى الحرب كما يذهب إلى ملعب الغولف التابع له في منتجع مارلاغو في فلوريدا ؟!
لا يملك المرء إلا أن يقارن بين رؤساء امريكيين كبار وترامب…
كم انحدرت السياسة الأمريكية، وكم اندحرت معها القيم، حتى صارت الولايات المتحدة تنتخب تاجر عقارات فاسد، عنصري، ومعطوب نفسيًا، لا يقيم وزنًا لقانون، ولا لمؤسسات دولية ولا لنظام دولي بنته امريكا وهاهو يهدمه على رأسها .
صدق الشاعر البرتغالي الراحل ساراماغو حين قال عن أمريكا:
“شعب كبير، ينتخب رئيسًا صغيرًا.”
في السياسة، وخاصة في السياسة الدولية، وفي زمن الحرب تحديدًا، نحتاج إلى الاحتكام إلى معايير ثابتة، وقواعد مستقرة، وقانون دولي، ومعاهدات تنظم العلاقات بين الدول.
من دون هذه الأسس، لن نتفق على شيء، ولن نصل إلى أي حوار منتج حول الصواب والخطأ في سلوك البشر… وستصبح كل القيم الإنسانية مستباحة…لهذا لابد من الرجوع إلى مرجعية القانون لفهم تداعيات حرب السبت ..
هل يحقّ لأمريكا، فقط لأنها دولة قوية وتمتلك أسلحة لا يمتلكها غيرها، أن تهجم على دولة أخرى بشكل مباغت، وأن تدمّر مواقعها النووية وتهدّد أمنها وأمن وسلام المنطقة بأسرها؟
الجواب: لا.
هذا يُسمّى عدوانًا عسكريًا على دولة مستقلة، عضو في الأمم المتحدة.
وكان الواجب، إذا كانت إيران تشكّل خطرًا على الأمن الأمريكي، أن تتوجّه إدارة ترامب إلى مجلس الأمن الدولي، وأن تستصدر قرارًا من هذا الأخير تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على ما يلي:
“يقرّر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم، أو إخلال به، أو عمل عدواني، ويُصدر توصيات أو قرارات بشأن التدابير الواجب اتخاذها، وفقًا للمادتين 41 و42، لحفظ السلم أو إعادته.
قبل اللجوء إلى التدابير العسكرية، يمكن لمجلس الأمن أن يدعو الأطراف المعنية إلى اتخاذ تدابير مؤقتة، مثل وقف الأعمال العدائية.
وإذا رأى أن التدابير غير العسكرية كافية، يمكنه فرض عقوبات تشمل:
الحظر الاقتصادي…وإذا لم تكن هذه الإجراءات كافية، يجوز لمجلس الأمن اتخاذ إجراءات عسكرية: باستخدام القوات الجوية أو البحرية أو البرية للسيطرة على الوضع.”
لكن بدل هذا المسار القانوني والمؤسساتي ، فضّلت واشنطن القفز على القانون الدولي والتوجه الى سلوك عدواني اخرق يمس الأمن والسلم الدوليين .
نتنياهو يعتبر ترامب هدية نزلت عليه من السماء،
لا لتحقيق أمن إسرائيل فحسب، بل لبسط السيطرة على كل الشرق الأوسط، وضرب القوى الإقليمية التي تنافس اسرائيل والآن إذا لم ترد ايران بقوة سيبدأ نتنياهو بتحصيل الجزية من دول الخليج والدول العربية، بالادعاء انه خلصهم من خطر النووي الإيراني، وأذرع طهران في العالم العربي …والان يجب ان يمروا إلى الشباك للدفع، دفع تكلفة الحرب المالية والسياسية والاستراتيجية، قبل ان يمر (بيبي) إلى تحجيم تركيا التي ستجد نفسها قريبا في مرمى مدفعية اسرائيل .
نتنياهو يرى في ترامب رجلًا/طفلًا يمكن أن تُغريه بلعبة أو بكلمة إطراء أو جملة مديح لغروره، ثم تأخذ منه ما تشاء… وهذا ما حصل.
في أقل من عشرة أيام، نال نتنياهو هديتين كبيرتين:
1. السماح من واشنطن لتل أبيب باتخاذ قرار الحرب على إيران.
2. إدخال أمريكا نفسها في حرب لا مصلحة لها فيها.
بل أكثر من ذلك، فان قرار ضرب إيران يتعارض مع العقيدة السياسية والعسكرية لليمين الشعبوي الحاكم في أمريكا، والذي صعد إلى السلطة تحت شعار:
“أمريكا أولاً” – لا حروب خارجية، لا تدخل في نزاعات، توفير المليارات لإعادة بناء أمريكا العظيمة من الداخل.”
وها هو ترامب، وقبل أن يُكمل ستة أشهر في البيت الأبيض، يدخل حربًا جديدة ضد إيران، حربًا لم يجرؤ أي رئيس أمريكي – ديمقراطيًا كان أو جمهوريًا – على خوضها منذ نصف قرن.
لكن الحرب لن تنتهي هنا.
ستستمر بوسائل أخرى، حتى وإن قرّرت إيران التوقف عند هذا الحد، مكتفيةً بالوصول إلى عمق إسرائيل، وتحقيق خسائر بشرية ومادية نوعية، بفضل ترسانتها الصاروخية التي أثبتت قدرة ردع فعالة اتجاه التفوق الجوي الاسرائيلي .
حتى لو اكتفى الملالي بالحفاظ على نظامهم السياسي، وفشل مخطط نتنياهو في إثارة الفتنة داخل الجمهورية الإسلامية، فإن الإيرانيين – وغيرهم – سيزدادون اقتناعًا بأن امتلاك السلاح النووي صار ضرورة وجودية، بل بوليصة تأمين في عالم انهارت فيه المعايير والقوانين والمرجعيات.
هنا تكمن خطورة القنابل التي سقطت فوق رؤوس الإيرانيين أمس:
لقد زرعت إيمانًا راسخًا بأن الردع النووي وحده، هو القادر على فرض نوع من التنظيم على فوضى هذا العالم.
إذن، الرسالة باتت واضحة:
كل من يريد أن يحصل على قرار من ترامب هذه الأيام، فهذه فرصته الذهبية.
طفل في البيت الأبيض، يلعب بأخطر ترسانة سلاح على وجه الأرض…
قال بنجامين فرانكلين:
“فاتورة الحرب دائمًا ما تصل متأخرة.”
ومن يعش… سيرى من سيعدّ الخسائر، ومن سيتسلّم فواتيرها، حين تصل إلى البيت الأبيض… وقريبًا جدًا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.





