توفيق بوعشرين
مع نهاية الموسم الدراسي، خرج ملايين التلاميذ من حجرات الدرس إلى البيوت والشوارع والأزقة والشواطئ والمقاهي وشاشات الهواتف … ، كلٌّ حسب مستوى أسرته وإمكاناتها.
العطلة من حق الجميع، نعم، لكنها ليست حقًّا مشروعًا هذا العام لوزير التربية والتعليم ، ولا للكاتب العام للوزارة ولا لكبار المسؤولين في الأكاديميات والمخططين التربويين والمفتشين .
هؤلاء – ومن تلقاء أنفسهم – يجب أن يمتنعوا هذا الصيف عن أخذ عطلة… على الأقل إلى أن يعود “شعب الثمانية ملايين” إلى الفصول الدراسية في شتنبر المقبل ، متسلّحين بأمل ولو صغير أن العام المقبل لن يكون تكرارًا مأساويًّا لما سبقه من أعوام
نحو وقفة تأمل جادة
الوزير، والوزارة، والأكاديميات، والمفتشون، والمخططون التربويون، مدعوون اليوم – وليس غدًا – إلى وقفة تقييم شاملة. عليهم أن يراجعوا بدقة الحصيلة التعليمية لهذه السنة: نتائج الامتحانات الإشهادية، نسب النجاح والرسوب، ومعدلات الانقطاع المدرسي…
والتي تظل كأكبر عملية “فرار جماعي” من المدرسة العمومية (نحو 300 ألف تلميذ يغادرون المدارس كل سنة دون شهادة ودون مهارة ودون ان يتقنوا المبادئ الأولية للكتابة والقراءة والحساب !).
بين أيدي الوزارة منجم غني من المعطيات: أوراق امتحانات التاسعة إعدادي، والأولى والثانية باكالوريا، تمثّل قاعدة بيانات ثمينة (Big Data) تكشف واقع المدرسة، ومشاكل التحصيل، واختلالات المناهج، وطرق التدريس، ونوعية المهارات والقيم التي تنقلها المدرسة لتلاميذ اليوم… ورجال ونساء الغد
صيف طويل… ذاكرة قصيرة
لنبدأ من البداية.
العطلة المدرسية طويلة جدًّا . اكثر من ثلاثة شهور متواصلة في بيئة مغربية غير مؤهلة لاستيعاب فكرة “الاستمرار في التعلُّم خارج المدرسة”. فالتلميذ المغربي يغادر المدرسة باكرا ولا يرجع إلا متاخرا كما جل الأسر المغربية تفتقد لثقافة التعامل مع العطلة، ومع وقت الفراغ ومع الشاشات، التي تحوّلت إلى مدارس غير رسمية تُعلِّم كل شيء… إلا ما ينفع وما يحفز على التفكير والنقد والوعي والإبداع .
منصات الفيديو على اليوتيوب، والهواتف غير الذكية ، ووسائل التواصل الاجتماعي ، تفيض بمحتوى ترفيهي واستهلاكي، مليء بالعنف والانحراف، الجنس والمخدرات، والإلهاء الجماعي…
والمشكلة أن كل هذا يحدث في غياب التوجيه، وفي غياب آليات الانتقاء والنقد والحذر والاختيار الذي يقع على عاتق اللوغاريتمات التي لا يهمها شيء قدر اهتمامها بإبقاء عيون ونتباه البشر مركزة على محتوياتها لأنها تبيع ساعات المشاهدة إلى المعلن والى شركات التسويق والتأثير واشياء اخرى ….
زد على كل هذا غياب نماذج القدوة لدى جيل شبه ضائع إلا من رحم ربك .
النتيجة: جيلٌ تائه كأوراق الخريف في مهب ريح عاصفة… جيل يتعلم من “النيت المغربي والعالمي” بدل أن يتعلم من المدرسة او الأسرة او المجتمع او المسجد او الكتاب او المسرح او النادي او الجمعية .. .
ما العمل؟
• يجب إعادة النظر جذريًّا في طول العطلة الصيفية
• ينبغي إحداث منصات تعليم موازٍ خارج المدرسة: عبر الجمعيات، والكشافة، والتعليم عن بعد، والمخيمات الصيفية، والمسابقات، والأنشطة الثقافية والرياضية.
• يجب إشراك الأسر، خصوصًا الفقيرة، في عملية توعية حقيقية بأن التعليم لا يتوقف عند دق جرس المدرسة… بل يجب أن يستمر في البيت، في الحي، في الشاطئ، في الجبل، في المخيم…
• العطلة ليست نقيضًا للتربية والتعليم . يمكن للراحة والسفر والنوم واللعب أن تتعايش مع قيم التعلم والانضباط واكتساب مهارات وتجارب جديدة … إذا أُحسن تنظيمها.
اقتراح عملي
من الضروري أن يُنجز المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للتربية والتكوين، دراسة ميدانية معمقة حول نظام العطل المدرسية في المغرب مادام المجلس الأعلى للشباب لم يتشكل بعد رغم مرور 14 السنة على التنصيص عليه في الدستور وهذا التأخير يقول كل شيء عن اهتمام الدولة بالشباب ! :
•ما البدائل الممكنة لجعل العطلة الصيفية وغير الصيفية زمنًا منتجًا للتعلم والتربية، وليس فقط للكسل والتراجع الدراسي والمعرفي لدى التلميذ كما الأستاذ ؟
العطلة الصيفية الممتدة على 12 أسبوعًا أو أكثر مفرطة في الطول… “العطلة الطويلة تقتل الذاكرة وتصيب الروح التربوية بالخمول.”
إصلاح التعليم: قبل أن نشتري كفن المدرسة
الموضوع الثاني الذي أودّ الحديث عنه على إيقاع مغادرة التلاميذ للفصول الدراسية هو:
مادتان ضروريتان يجب إدخالهما إلى المقررات الدراسية فورًا وبدون أي تأخير:
أولًا: الذكاء الاصطناعي، وضرورة تعليم التلاميذ طرق الاستفادة منه لاكتساب مهارات جديدة، ومعارف مبتكرة، ولتطوير مناهج تعليمية تكيُّفية (adaptées) تناسب قدرات كل تلميذ على حدة.
ثانيً: مادة لتدريس كيفية التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي (Les réseaux sociaux)، من خلال تمكين التلاميذ من مهارات فهم هذه الوسائط، والوعي بمخاطرها، ثم تعلّم سبل استخدامها بحذر واقتصاد.
هذه الشبكات أصبحت أخطر من المخدرات: فهي لا تُضعف فقط القدرات العقلية والانتباه والصحة النفسية للتلميذ، بل تُشحنه بمضامين ومحتويات وقيم سلبية:
العنف المادي والرمزي ، الجنس المبكر، التمرد، المخدرات، الاستهلاك المُفرط للاعلانات ، تبديد الوقت، وانهيار التركيز وضعف النوم البعد عن الرياضة وتمارين الجسم …
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





