الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
اطلعت على رسالة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، التي رد فيها على الأستاذ عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فتبين لي أنه لم يحالفه الصواب، واتسم رده بالتسرع، وكنت دائما أصفه أنه لم يأخذ حظا من اسمه، فكانت خرجاته تطوح بنفسها في خضخاض التدليس والتجهيل، وهذا لا يليق به باعتباره انتمائه أستاذا جامعيا أولا، الذي ينبغي في حقه أن يتحرى بالتدقيق والصدق والبحث العلمي المبني على البرهنة والأدلة، وباعتباره أيضا وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، وما ينبغي أن يتحلى به من العدل والإنصاف، وباعتباره كذلك متصوفا، وما ينبغي في حقه من الورع واتقاء الشبهات، وهو الذي ينتمي إلى أكبر زاوية في المغرب اليوم، الزاوية البودشيشية.
ثم الذي نستغرب له، أنه من عادته أنه لا يرد على منتقديه، لكن هذه المرة فعلها مع الأستاذ عبد الإله بنكيران، مما يضع أمامنا احتمالات كثيرة:
• إما أنه اتخذ المبادرة بالرد بنفسه.
• أو بإيعاز من حاشيته ومستشاريه.
• أو من جهة مقربة إليه.
ومع كل هذه الاحتمالات التي لا تكتسي أهمية كبرى، فإن الذي يعنينا هو رده الذي لم يكن موفقا، ولا سليما من المعارضة، وتفصيله نصوغه في هذه الوقفات النقدية:
أولا: أن تشكو إلى الله تعالى ما صرح به بنكيران، فهذا لا يليق بك، لأن الشكوى إلى الله تعالى لا تكون إلا فيما يقع من ظلم في حقك، أما أنك وزير ذو منصب على أكبر وزارة في المغرب، تسير الشأن الديني للمغاربة، فمن حق المغاربة، وبخاصة مثقفيهم وعلمائهم وسياسييهم أن ينتقدوا تصريحاتك وتدبيرك وسياستك للشأن الديني. وبمنطق الشكوى إلى الله تعالى الذي تبنيته، فأنت كذلك مجموعة من الموقوفين من الخطباء والدعاة يشكونك إلى الله تعالى، لأنك منعتهم من تبليغ رسالة الله تعالى. ومن حق المغاربة أيضا أن يشكوك إلى الله تعالى أنك أبقيت اليهودي كي أدرعي، وهو قريب إن لم يكن شقيق أريي أدرعي، وزير الداخلية في حكومة النتن هو، ورئيس حزب شاس اليميني المتطرف، وقد تولى تدبير جانب من ممتلكات الأوقاف الإسلامية في نظارة الرباط وسلا. فكيف يبقى هذا اليهودي الصهيوني على أوقاف المسلمين وعندك فتوى بالمنع أوردها أبو العباس أحمد الونشريسي في (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب)، وهو من منشورات وزارتك، جاء فيه: “وسئل (النووي) عن يهودي ولي صرفا بيت مال المسلمين ليزن الدراهم المقبوضة والمصروفة وينقدها، ويعتمد في ذلك على قوله، هل تحل توليته أم لا؟ وهل يثاب والي الأمر على عزله واستبدال مسلم ثقة بدله؟ وهل يثاب المساعد في عزله أم لا؟
فأجاب: لا تحل تولية اليهودي ذلك ولا يجوز إبقاؤه فيها، ولا يحل اعتماد قوله في شيء من ذلك؟ ويثاب والي الأمر وفقه الله تعالى باستبدال ثقة مسلم، ويثاب المساعد في عزله. قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم” إلى آخر الآية. ومعناه لا تتخذوا من يداخل بواطن أموركم (من دونكم) أي غيركم، وهم الكفار، (لا يألونكم خبالا) أي لا يقصرون فيما يقدرون على إيقاعه بكم من الفساد والأذى والضرر، (قد بدت البغضاء من أفواههم) بقولهم نحن أعداؤكم، والله أعلم.” (المعيار 12/376).
فهذه أوقاف المسلمين، فهل يحل أن يتولاها يهودي صهيوني؟ من هنا نسأل المجلس العلمي الأعلى الموقر هل يجوز تولية أو تفويت ليهودي صهيوني تدبير أوقاف المسلمين؟.
وبهذا فالشكوى إلى الله لا تكون إلا في ظلم بين.
ثانيا: اتهمت المغاربة بالعلمانية (أنهم علمانيون)، ثم من بعد ما قامت الضجة عليك قمت فتبرأت مما نسب إليك من (أن الدولة في المغرب علمانية)، وهذا في نظري تناقض فاحش، كيف تتهم المغاربة بالعلمانية وتبرأ الدولة منها، أو على الأقل تتحاشى ذكرها بذلك، لأنه منطقيا يلزم من قولك (المغاربة علمانيون) أن تكون دولتهم علمانية، لأن المغاربة تابعون لدولتهم، ومتأثرون بها، وجزء منها. فالفصل بين قولك (المغاربة علمانيون) و(الدولة المغربية ليست علمانية) فيه من التناقض العجيب والغريب.
ثالثا: الوزير لم يفرق بين العلمانية من حيث كونها مناهضة للدين، ولا ترتضيه أن يكون له أي أثر في الحياة، وبين النظم الحديثة التي هي من قبيل الوسائل التي جاء بها النظام الغربي. وهذا الفرق تجاهله الوزير التوفيق، وكان عليه باعتباره متخصصا في التاريخ أن يستحضره، ولو رجع إلى كتب الفقهاء، بل إلى عصر الخلفاء الراشدين لوجده واقعا ومسطرا، من ذلك اقتباس الخليفة سيدنا عمر رضي الله عنه من الفرس نظام الدواوين أو الديوان، ولم يعترض عليه أحد أنه بذلك قد خرج عن الإسلام، أو بأسلوب عصرنا أنه دخل في جبة العلمانية. وهذا ما جرى عليه المسلمون والحكام عبر العصور، يقتبسون من الوسائل التي تخدم الدولة مع حفظ ثوابتها الدينية الإسلامية، بناء على المصلحة الشرعية، والتي سماها الوزير نفسه بالمصلحة العقلانية، ويسميها الشيعة بالسيرة العقلائية.
ويشهد لهذا على جهة الإيماء والتنبيه ما ورد في حديث أم زرع عند قوله صلى الله عليه وسلم: “كنت لك كأبي زرع لأم زرع” (رواه البخاري). وقد حكى القاضي عياض رحمه الله عن المهلب بن أبي صفرة الفقيه في شرحه لهذا الحديث أنه قال: “فيه من الفقه جواز التأسي بأهل الإحسان من كل أمة.” فصححه القاضي عياض، واشترط عدم مصادمته للشريعة. (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد 171).
ولم يجد المسلمون عبر تاريخهم غضاضة أن يقتبسوا من الآخرين، كما أن الآخرين أخذوا من المسلمين، وقد بسط الكلام عن هذا غير واحد من العلماء، وكتب النوازل والسياسة الشرعية طافحة بذلك، من ذلك ما ذكره الفقيه العلامة محمد بن يوسف الشهير بابن المواق في مصنفه الماتع (سنن المهتدين في مقامات الدين): “ليس كل ما فعلته العجم منهيا عن ملابسته، إلا إذا نهت الشريعة عنه، ودلت القواعد على تركه، والمراد بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم أتباع الأكاسرة في ذلك الزمان، في سرفهم ونحوه، ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا، وأما ما فعلوه على وفق الندب، أو الإيجاب، أو الإباحة في شرعنا، فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه، لأن الشرع لا ينهى عن التشبه بمن يفعل ما أذن الله فيه، فقد حفر صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة تشبها بالأعاجم، حتى تعجب الأحزاب منه، ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي عليه”. (سنن المهتدين 241).
وكبار المصلحين في عصرنا جروا على هذا المسلك، ولم يستنكفوا عنه، ولا تنكبوا سبيله، وفي هذا يقول خير الدين التونسي رحمه الله: “فإن الأمر إذا كان صادرا من غيرنا، وكان صوابا موافقا للأدلة، لا سيما إذا كنا عليه وأخذ من أيدينا، فلا وجه لإنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله”. (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك 110). وقد عقد لهذه المسألة مطلبا (ما يسوغ موافقة غير المسلم في الأفعال المستحسنة)، وقد ساق فيه كلام ابن المواق السابق.
فيكون ما استدل به الوزير التوفيق مما هو مقتبس من نظام غربي علماني غير سديد، والاحتجاج به واه، لأنه من باب الوسائل المحضة، مثل إناء صنعه غربي ملحد واشتراه مسلم، فالمسلم يستعمله فيما أحل الله تعالى، وغير المسلم قد يملأه بما حرم الله.
ثم إن مثل هذه النظم لا تعوز المسلمين الوصول إليها، فقد ظهر عندهم النقباء والمجالس الشورية (أهل الحل والعقد)، وابتكر ابن تومرت بلديك رحمه الله مجالس العشرة، والخمسين، والسبعين، في تنظيمه لدولة الموحدين وبخاصة في بدايتها، فهل كان هذا حكرا فقط على الغربيين، ويعجز عنه المسلمون؟.
ولو أنصف الوزير التوفيق وهو المتخصص في التاريخ، لذكر أيضا أن الحضارة الغربية لم تقم، ولم تنهض إلا عن طريق اقتباسها من الحضارة الإسلامية وبخاصة الأندلس، وهذا ما يقرون به هم أنفسهم. ولو أنصف أيضا لحكى لنا عن القانون الفرنسي المشحون بالفقه المالكي.
رابعا: قول الوزير: “إمارة المؤمنين تحمي كليات الدين وقطعياته،…” هذا الاستدلال لا معنى له، وهو واه جدا بحكم الواقع، ذلك أن وزارتكم لم نسمع لها في شخصكم، ولا في المجالس العلمية التابعة لكم أي ردة فعل تجاه الكليات الدينية والقطعيات والثوابت التي تُهجم عليها غير ما مرة، من ذلك سكوتكم عن دعوة وزير العدل وهبي إلى الزنا باسم العلاقات الرضائية، وتكريم شاذ جنسا في مهرجان السينما بمراكش، وتتويج “ملك الشذوذ الجنسي” بأكادير في مهرجان بيلماون، والغريب بطقوس وبروتكولات ملكية، ولم نسمع لكم أي استنكار لمهرجان موازين لما تعرت لوبيز على الشعب المغربي، بل صرحت في قبة البرلمان بأن الفقهاء اختلفوا في مهرجان موازين، كما سكتم أعني أنت والعلماء عن الذي وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه صهيوني، ولعنة الله على قائلها،…واللائحة طويلة في خرم وهدم كليات الدين وقطعياته وثوابته، دون أن نسمع لكم أي كلمة أو تصد لهؤلاء. أما حديثكم عن غزة واستنكار الإبادة الصهيونية لها، وغير ذلك، فهذا لا شأن لكم به، بالرغم من وجود أوقاف المغاربة وحارتهم بالقدس، ومعاول الهدم للصهيونية لذلك لا تتوقف.
فإذا كانت مؤسسة إمارة المؤمنين من الأهمية بمكان في حماية كليات الدين وقطعياته، كما تفضلتم، فإنه ينبغي تفعيلها في الواقع، ومن جملة ما تفعل به، أن ينافح العلماء في كل مجالسهم عن هذه المؤسسة بترسيخ هذه الثوابت والكليات الدينية والقطعيات، والتصدي لكل من يطعن فيها، أو يسعى إلى القضاء عليها وتجميدها. أما السكوت المطبق للمجالس العلمية بحجة (مراعاة الأحوال) كما ذكرتم في محاضرتكم بالمجلس الأعلى، فلا إخالها إلا طعنا لمؤسسة إمارة المؤمنين من الخلف، طبعا هي غير مقصودة، ولكن نتيجتها هي هذه، ذلك أن هدم الدين لا يأتي إلا بتجميد مبدأ إسلامي أصيل، وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهذا دور العلماء وهذا هو الشأن في إصلاحهم، لا الانزواء والركون والسكون والسكوت، فهذا سيزيد الفساق جسارة على الدين وقيم المجتمع. فإذن كليات الدين لا تحمى إلا بتفعيل مؤسسة إمارة المؤمنين، ولا تفعل إلا بفاعلية العلماء وتأدية رسالتهم كما أرادها الله منهم.
وختاما فعلى وزير الأوقاف أحمد توفيق أن يعلم علم اليقين إن أراد ذلك، أن المغاربة ليسوا علمانيين، والدولة المغربية ليست كذلك، مهما بدت من ظواهر غير مرضية، والإصلاح يكون بتغيير الأحوال لا بمراعاتها حسب فهمك. وإن الله تعالى سيسأل كل واحد عما قدم لدينه ووطنه وأمته، وكل بحسب مسؤوليته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والله المستعان.





