د. احماد الحياني ـ المغرب
ثارت حفيظة من نصبوا أنفسهم حماة حقوق المرأة على إثر حادث انتحار الطفلة أمينة الفيلالي فدبجوا البيانات الاستنكارية ونظموا الوقفات الاحتجاجية والمحاكم الرمزية وجمعوا التوقيعات وجندوا وسائل الإعلام المحلية والدولية، وتقيم هذه الجهات الدنيا ولا تقعدها على نصوص قانونية(المادة 475 من القانون الجنائي المتعلقة بتزويج المغتصبة من الجاني و الفصل 20 من مدونة الأسرة بشأن تزويج القاصرات) وتصورها كأنها المسِؤول الأول و الأخير عن ظاهرة الاغتصاب. في حين لا يقدم إلغاؤها ولا يؤخر في واقع المرأة المزري. في توظيف غير بريء لمحنة طفلة بريئة بغرض تحريف النقاش حول الأسباب الحقيقية لظاهرة الاغتصاب والجهات التي تقف وراءها. مما يدعوا إلى التساؤل حول الغايات الحقيقية لهذه الجهات من وراء التركيز على أعراض المرض بدل معالجة أسبابه.
1- من مظاهر امتهان كرامة المرأة: توالي جرائم الاغتصاب بدءا باغتصاب النساء مرورا باغتصاب الأطفال وانتهاء باغتصاب العجائز والمكفوفين وانتشار الدعارة” التقليدية” في أحياء معلومة بمختلف المدن المغربية إضافة إلي الدعارة “الراقية” في الشقق المفروشة والفنادق والمراقص والعلب الليلية… فضلا عن معاكسة النساء في الفضاءات العامة والتحرش الجنسي في أماكن العمل وغيرها تعد من المظاهر البشعة للعدوان على حرمة المرأة والانتهاك السافر لحقوقها كإنسان، دون أن ننسى ما يصاحب ذلك من عنف رمزي ومادي يخلف آثارا نفسية وجسدية مزمنة لدى الضحية وقد يصل أحيانا إلى قتلها بطرق بشعة للتخلص من معالم الجريمة ، وهذه الاعتداءات نتيجة حتمية للنظرة الدونية للمرأة والتي لها أسبابها الحقيقية واستغلت لتحقيق أهداف خسيسة مما كانت له نتائج كارثية على المرأة والمجتمع ككل.
2-المرأة وسيلة وليست غاية: أدعياء حقوق المرأة نخبة فرونكفونية رضعت لبان الماما فرنسا التي استأمنتها على نفوذها بالمغرب من خلال فرض القيم الغربية على المجتمع عبر اللغة و الثقافة الفرنسية في الإدارة والتعليم والإعلام والفن ….وهي بالمناسبة خليط هجين من مؤسسات وأفراد من مختلف المشارب السياسية والإديولوجية تشتغل على شكل أخطبوط رأسه جهات متنفذة في الدولة وأذرعه جمعيات نسائية وحقوقية ووسائل إعلام وسياسيون وكتاب ورجال أعمال وفنانون وعائلات…. وضعت تحت تصرفها كل مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية… وهو ما سخرته لخدمة أجندتها الداخلية والخارجية. وقد شكلت قضية المرأة أبرز مدخل لهذه الجهات للنفاذ إلى نواة الأسرة وتعديلها جينيا لتفكيك بنية المجتمع القائمة على مركزية الأسرة من منظور شرعي ، ليسهل إعادة صياغته من خلال مسمى القيم الكونية كمفاهيم المساواة والمناصفة والمقاربة حسب النوع ، مستقوية بالدعم الخارجي والنفوذ المالي والسياسي و الإداري الداخلي موظفة معاناة المرأة ا للحفاظ على مصالح أولياء نعمتها واستدامة نفوذها داخليا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
3-أسباب النظرة الدونية للمرأة: أدت ورواسب عصور الانحطاط إلى انتشار ثقافة احتقار المرأة والنظر إليها باعتبارها مخلوقا ناقص الأهلية لا يعتد برأيه “شاورها ولا تدير برأيها” و” كلام العيالات ” أكثر من هذا أصبح مجرد ذكر اسمها يثير الاشمئزاز “المرأة حاشاك” ويدعوا إلى الحذر”سوق النساء سوق مطيار يا داخلو رد بالك….”… وهو ما وفر مناخا يبرر احتقار وتهميش المٍرأة في المجتمع والأخطر من هذا كله إلباس هذه التقاليد البالية لبوس الدين ـ والإسلام منها براء ـ وهو ما أعطاها المشروعية وقوة الـتأثير في صياغة موقف المجتمع من المٍرأة والحكم عليها بالجهل و التخلف وهو ما أوجد عندها القابلية للاستلاب الحضاري والانهزام النفسي أمام الغزو الفكري الوافد عبر الإعلام خاصة.
4 ـ الإعلام وسيلة لدبلجة المرأة: كثير من البرامج والمسلسلات والأفلام المغربية والأجنبية ( المكسيكية – التركية – الكورية – المصرية – السورية ..) تشوّه صورة المرأة، وتحتقر دورها الاجتماعي فأغلب الصور التي تعكسها وسائل الإعلام للمرأة اقتصرت بشكل مقصود على: – صورة المرأة المستهلكة: كل همها أن تشتري من الصباح إلى المساء وأن تتحدث لصديقاتها عن مقتنياتها من المساء إلى الصباح. ـ صورة المرأة المتخلفة الأمية: تؤمن بالخرافات وتلجأ إلى الشعوذة والسحر والأضرحة قصد الزواج أو إنجاب الأطفال ومعالجة الأمراض وطرد الأروح الشريرة بالبخور والتمائم وتقديم القرابين … ـ صورة المرأة الشيطانة : شغلها الشاغل الغيبة والنميمة والتجسس على الجارات وتدبير المكائد للتحكم في الزوج وتسييره وفق هواها أو للإيقاع بالرجال أوخطف زوج زميلة العمل…… – صورة المرأة الفاسقة : المرأة الأداة لترويج ثقافة الانحلال الأخلاقي من خلال لعب أدوار فيها المشاهد الماجنة و الصور الخليعة واللقطات الإباحية والعلاقات غير الشرعية …. – صورة المرأة الساذجة : التي يسهل الضحك عليها بالوعود المعسولة بالزواج أو التشغيل… ومن ثم استدراجها إلى مستنقع الرذيلة والتخلص منها بعد ذلك دون الخوف من العقاب . ـ صورة المرأة السلعة: استغلال المرأة في الإشهار لترويج السلع مما رسخ اقتران صورة المرأة بالبضاعة إلى حد التماهي في مخيلة المشاهد وهو ما يتحول إلى قناعة إمكانية شراء أي امرأة بالمال كسهولة شراء أي سلعة. ـ صورة المرأة الجسد: في الأغاني الحديثة ومسابقات ملكة الجمال وعرض الأزياء والمهرجانات حيث التركيز على لغة الجسد لبث المشاهد المثيرة و الإغرائية و الرسائل ذات الحمولة الجنسية والإباحية.
5- سوق النخاسة : — أ -المراة السلعة : شكل الإعلام والرواسب التاريخية نظرة المرأة إلى نفسها أولا ثم نظرة الرجل إليها ثانيا، نظرة تلغي كل الأبعاد الإنسانية في المرأة من عقل وروح و تختزلها في الجسد حيث رسخ لديها قناعة مفادها أن رأسمالها الوحيد الذي عليها العناية به هو جسدها مما أوقعها في شرك الشركات العالمية كزبونة أولى للأزياء والعطور ومواد التجميل… وهو ما يستغله وكلاء هذه الشركات لتحقيق الأرباح الطائلة على حساب نساء يدفع الإدمان على الموضة بعضهن إلى استرخاص كل شيء بما فيه الشرف استجابة للرغبات الاستهلاكية الجامحة والحاجات الوهمية التي خلقها الإعلام لديهن،هذه الوضعية إضافة إلى المناخ الثقافي والإعلامي هي ما يدفع مرضى النفوس من الذكور إلى اعتبار المرأة كائنها وجدت لإشباع رغباتهم المريضة و “سلعة” معروضة للبيع لا يحق لها الرفض بالغة كانت أو قاصرا مثقفة أو أمية متزوجة أو غير متزوجة، كلهن سواء صورة نمطية واحدة. وهو ما يفسر الاعتداءات المتكررة وبصور مقززة على المرأة في كل مكان. ودون أن يشعر المعتدي بتأنيب ضمير ، لأنه مقتنع أن الأمر يتعلق بسلعة من حقه مساومتها بل شراؤها واستهلاكها ثم التخلص منها بعد ذلك ولا يحق لها الرفض. فإن دافعت المرأة عن شرفها قوبلت بوابل من السباب والشتائم وربما التهديد والاعتداء الجسدي في انتهاك سافر لأبسط حقوقها،ومع ذلك لا القانون يحميها ولا المنظمات النسائية تدافع عنها لأن هذه المنظمات طبعا مشغولة بأشياء أخرى ليس من بينها معاناة المرأة اليومية.
ب ـ المرأة قوة العمل الرخيصة: تشكل المرأة قوة العمل الرخيصة للشركات المحلية والدولية في ظل احتدام المنافسة حيث يتم استغلالها فى انتاج بضائع منخفضة التكلفة, رخيصة الثمن تغزوا بها الأسواق الوطنية والدولية على حساب حقوق المرأة في الأجر المناسب والضمان الاجتماعي و أوقات و ظروف العمل اللائقة فضلا عن المضايقات كالتحرش الجنسي واستغلال النفوذ. دون أن ننسى معاناة خادمات البيوت والعاملات في المقاهي والمخادع الهاتفية…..كلها ترسم مشهدا قاتما لهضم حقوق المرأة والدوس على كرامتها.
6 – الحصاد المر: كانت للسياسة الممنهجة لتدجين المرأة عواقب كارثية لعل أبرزها:
أ – تفشي ظاهرة الاعتدءات على المرأة بدءا بالتحرش الجنسي مرورا بالعنف الرمزي والعنف اللفظي في البيت والشارع والعمل انتهاء بالاغتصاب والاعتداء الجسدي والقتل.
ب – المتاجرة بالمرأة باستغلالها خادمة في البيت وفي الدعارة بالفنادق والفيلات والمراقص والملاهي الليلية لتلبية الرغبات الحيوانية للزبناء المحليين والأجانب حتى أصبح المغرب قبلة للسياحة الجنسية ولتصوير الأفلام الإباحية.
ج – المتاجرة بالمرأة خارجيا تحت غطاء عقود العمل من سماسرة و شبكات المتاجرة في البشر ليمتد نشاطها إلى دول الخليج ولبنان وفلسطين المحتلة و أوروبا…
د – تشويه سمع المرأة المغربية في الخارج وإظهارها بمظهر المرأة المنحطة والمساس بكرامتها مما جرأ عليها السفلة في الإعلام المشرقي خاصة والمواقع الإلكترونية وما الرسوم الكويتية وخرجات المدعوة المطيري عنا ببعيد. وهو ما شوه سمعة المغرب و أوصلها إلى الحضيض خارجيا .
هذا ما يستدعي تظافر الغيوربن في هذا البلد لتصحيح صورة المرأة إعلاميا وحمايتها قانونيا من كل أشكال انتهاك حقوقها بالقضاء على النظرة الدونية للمرأة للمغربية كي تعامل كإنسان كامل الحقوق و تحفظ كرامتها التي هي حق وهبه الله تعالى لها كما وهبه للرجل سواء بسواء. قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم } [الإسراء:70 .





