ذ.عبد القادر الفرساوي
لوحة الحياة قبل أن يمزقها الموت
تتسلل شمس شهر غشت بخيوطها الذهبية على أطراف مدينة إسكي شهير، وكأنها تلامس الأرض بحنان، ترسم خطوطا من الضوء تغزل عباءة دفء تحتضن الحديقة المجاورة للمسجد العريق. كانت الحديقة واحة من الهدوء والسكينة، وملاذا للهاربين من صخب الحياة، حيث تلتقي الأرواح لتعيد ترتيب أحلامها وتسترجع لحظاتها المنسية.
تحت ظلال أشجار الحديقة العالية، جلس مجموعة من الرجال يحتسون الشاي الأحمر من أكواب صغيرة مزخرفة، كل رشفة كانت وكأنها بوابة تفتح على أحاديث عذبة، تروي قصصا عن الحاضر والماضي. كانت كلماتهم أشبه بنغمات خافتة تتمايل مع نسيم الصيف، وضحكاتهم تشبه حفيف الأوراق، تحمل معان من البهجة الرصينة.
قربهم، على كرسي خشبي مهترئ، جلست عجوز تغزل حبات مسبحتها بأنامل مرتعشة، كأن كل حبة تسقط هي شهادة حية على ذكرى أو دعاء. كانت عيناها شاخصتين إلى الأفق، لكنه أفق من الذكريات. ربما كانت تسترجع وجوها قد غابت، أو أزمنة قد طوتها الأيام.
وفي الزاوية الأخرى من الحديقة، طفل صغير يرتدي حذاء أحمر لامعا، يركض بخفة كأنه عصفور صغير. ضحكاته كانت تعلو كأنها نداء إلى الحياة، بينما يجمع أوراق الأشجار المتساقطة ويرتبها على شكل طائرة ورقية غير متقنة. لم يبال بأن الريح تتلاعب بأوراقه، فقد كان العالم في عينيه ملعبا فسيحا بلا حدود. من بعيد، كانت العجوز تتابعه بابتسامة يغمرها حنان وكأنها تجد في لعبه صدى لحياة مضت.
بالقرب من نافورة الحديقة، جلس شاب وشابة على مقعدين متقابلين. كان هذا لقاؤهما الأول بعد عام من الإعجاب الصامت، إعجاب نما بين أسطر نظرات عفوية وحيزٍ من التردد الجميل. كان اختيار الحديقة موعدا يعكس نواياهما النقية، حيث الطبيعة شاهدة على كلماتهما الأولى.
كان الشاب بملامحه الهادئة وعينيه البنيتين يلمحان عمقا يشبه ألوان الأرض بعد المطر، يتحدث بصوت خافت لكنه واثق: سعيد بأننا التقينا أخيرا. كنت أنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل.
ردت الشابة بابتسامة خجولة تضيء وجهها، وحجابها الأنيق يضفي وقارا على حضورها: وأنا كذلك. كنت أفكر كيف سيكون اللقاء، والآن يبدو أن كل شيء طبيعي وجميل.
بدأت الكلمات تتدفق بينهما كجدول صغير يروي عطش الأرواح. تحدثا عن أحلامهما المشتركة، وعن رؤيتهما لمستقبل يحمل معه الحب والبناء. تخيل كل منهما حياتهما القادمة، تحدثا عن الأبناء الذين يحلمان بتربيتهم على القيم، وعن بيت دافئ يملأه الحب والتفاهم.
كل شيء بدا وكأنه مشهد من رواية حالمة، لوحة تتكامل تفاصيلها بانسجام عجيب. أصوات المياه المتدفقة من النافورة، وأغصان الأشجار التي تمايلت برفق في نسيم الصيف، وكأن الطبيعة بأسرها تبارك لقاءهما الأول.
لكن، كما هي الحياة دائما، خلف كل سلام يكمن احتمال الفوضى. فجأة، انكسر هذا المشهد الهادئ بصوت غريب، كأنه تمزيق لحجاب من السكينة. كانت البداية مجرد همسة، لكنها سرعان ما تحولت إلى صرخات تخترق السماء، معلنة عن قدوم ضيف ثقيل لا يُرحب به: الموت.
الظهور الأول: رقصة الموت
في قلب الحديقة، حيث كان العالم ينبض بالحياة، اخترق السكون حضور غريب. من بين المارة، برز شاب طويل القامة كأنما خرج من ظلال الأحلام السوداء. خطواته كانت بطيئة، لكنها مُربكة، مثل دقات ساعة عد تنازلي. خوذة معدنية تُخفي وجهه وتعكس أشعة الشمس، جعلته يبدو كتمثال ميتاليك يمشي، قادما من زمن بعيد لينثر الفوضى في زمننا الحاضر.
تتدلى كاميرا صغيرة من سترته التكتيكية المشدودة على صدره، ترصد كل شيء، كأنها عين القدر تسجل ما لا يُنسى. قبضته اليمنى تُمسك بفأس بريقه يلمع بوحشية، فيما يسراه تحكم السكين الحاد الذي يرقص مع كل خطوة، مهددا بفتح ستار الدم على مشهد لا يُنسى.
في البداية، بدا كأنه شبح عبثي، ربما مغامر يرتدي زيا غريبا ليلفت الأنظار، لكن الهالة التي تحيط به كانت ثقيلة، كأن الهواء نفسه يتثاقل تحت وطأة وجوده. الناس حوله لم يدركوا الخطر. ابتسم بعضهم، اعتقادا أنه جزء من مسرحية شارع أو مجرد مارة غريب.
وفجأة، حدث الانفجار الصامت. رفع الفأس كأنها صولجان ملك الموت، ثم انحنى في لحظة خاطفة كضربة برق تمزق السماء. صوت اختراق الهواء كان أشبه بشق نسيج الحياة نفسه، ثم جاء الصراخ. صرخة واحدة كانت كافية لتُعلن أن السلام قد انتهى.
رجل يحتسي شَايَهُ، غارق في أحلام يقظته، كان الضحية الأولى. جسده انحنى وكأنما الزمن انكمش حوله، وكوب الشاي الذي كان يمسكه ارتطم بالأرض، لينثر شرابه كدمعة أخيرة على الحصى. من حوله، تجمد العالم للحظات، كأن المشهد لم يكن حقيقيا. لكن الصرخة الثانية جاءت لتوقظ الجميع.
صرخات متناثرة، متقطعة، كأنها قطع من زجاج تنكسر في فضاء الحديقة. العجوز التي كانت تسبّح على كرسيها الخشبي، توقفت حبات مسبحتها فجأة، وسقطت نظراتها على الجاني، لكنها لم تتحرك. الطفل ذو الحذاء الأحمر، كان قد ألقى طائرته الورقية المصنوعة من ورق الشجر، وتراجع إلى حضن أمه، بينما عيناه تتسعان برعب لم يسبق أن عرفه.
في زاوية الحديقة، كان الشاب والشابة في أول لقاء لهما. توقف الحديث عن المستقبل، وصار الماضي والحاضر والمستقبل كله يختزل في لحظة خوف. نظراتهما المتبادلة، التي كانت قبل لحظات تعبر عن حب خجول، امتلأت الآن بالذهول. حاول أن يقف كأنه يريد أن يحميها، لكنها أمسكته بذراعه، لا لتوقفه، بل لتتشبث بالحياة التي شعرت أنها تنفلت من بين يديها.
المكان الذي كان لوحة هادئة، انقلب إلى مشهد من الفوضى المطلقة. الرجال الذين كانوا يتحاورون أسقطوا أكواب الشاي واندفعوا عشوائيا، النساء صرخن وكأن أصواتهن محاولة يائسة لإيقاف القدر، والأطفال الذين كانوا يلعبون، أصبحوا صامتين كتماثيل صغيرة، مشدوهين أمام ما يحدث.
وفي وسط هذا الجنون، كان هو، قاتل بلا وجه، يمشي بخطوات واثقة، كأنه يعزف سيمفونية دموية، كل ضربة فأس كانت نغمة، وكل صرخة كانت صدى. لم يكن يركض، لم يكن يتعجل، كأنه يعلم أن كل من في الحديقة هم قطع في رقعة شطرنج، وهو الملك الذي يقترب من حسم اللعبة.
الأرض تتحدث بالدماء والفوضى تعم المكان
امتزج الأخضر الداكن للأرض ببقع من الأحمر القاني، وكأن العشب يحاول عبثا امتصاص صرخات الألم التي مزقت الهدوء. الهواء ذاته كان مثقلا برائحة الحديد والدم، لا يُشبه النسيم الذي داعب أوراق الأشجار قبل دقائق. بدا وكأن الحديقة كلها توقفت عن التنفس، كأنها تحاول استيعاب هول ما حدث.
على الحصى المتناثر، كانت الأكواب الزجاجية الصغيرة، التي حملت قبل لحظات شايا دافئا، متناثرة ومهشمة، وكأنها تشهد على الانكسار الذي أصاب الأرواح. الطاولات انقلبت والكراسي الخشبية ألقيت على جوانبها، بعضها محطم، وبعضها يشهد آثار دماء. الكتب التي كان يتصفحها أحد الجالسين في ركن الحديقة تطايرت، صفحاتها الممزقة تحمل كلمات لن تُقرأ أبدا، تروي حكاية انقطعت فجأة.
الرجل في منتصف العمر، الذي كان يجلس بهدوء، حاول الوقوف، لكن ساقيه خذلتاه، فسقط مجددا على الأرض، يده تضغط على جرح عميق في بطنه، والدماء تتسرب من بين أصابعه كأنها تسابق الحياة لتغادر جسده. عيناه المذعورتان كانتا تتنقلان بين السماء والأرض، تبحثان عن معجزة تخفف عنه هذا الألم الذي بدا كأن النار قد استوطنت أحشاءه.
غير بعيد عنه، كانت المرأة الشابة تزحف ببطء وسط الحصى المتناثر، تحاول الهروب من مكان الحادث، لكن ذراعها المصابة كانت تنزف بغزارة. بقع الدم على قماش ثوبها زادت من ثقل حركتها، ورجفة جسدها كانت تشي بخوف عارم لا يمكن وصفه. وجهها، الذي كان مشرقا قبل لحظات، أصبح الآن شاحبا كأن الحياة تتسرب منه ببطء.
في زاوية الحديقة، ارتفع صوت طفل صغير، صرخاته الحادة مزقت الفضاء مثل سهم طائش. كان يحتضن دميته الصغيرة التي امتلأت بالغبار والبقع الحمراء، كأنها آخر رموز الأمان التي كانت بحوزته. عيناه الواسعتان المليئتان بالدموع، لم تتوقفا عن البحث بين الفوضى عن وجه مألوف ينقذه. الحصى الذي كان يركض عليه قبل دقائق أصبح مسرحا للألم والخوف.
الأشجار العالية التي كانت تحمي الجالسين بظلالها بدت وكأنها تنحني من هول المشهد، كأنها تخجل من أن تكون شاهدة على هذه الكارثة. أوراقها التي سقطت، لم تعد تلعب مع النسيم، بل تناثرت كأنها دموع تساقطت حزينة. النافورة التي كانت تغني بألحان مائية صافية، تحولت إلى بركة مشوبة بلون الدم، المياه التي كانت رمزا للحياة أصبحت شاهدة على نهايتها.
كل شيء في المكان كان يشهد على الفوضى. الصرخات تملأ الهواء، مختلطة بأصوات ارتطام الأشياء، أنين المصابين، ودوي أقدام الهاربين. كان المشهد كأنما الزمن توقف، وترك الجميع في مواجهة لحظة من الرعب المطلق، حيث لا فرق بين الضحية والناجي إلا ثوان معدودة.
قاتل بملامح الكراهية
على الرغم من أن أردا كوتشوكيتيم لم يكن سوى شاب في الثامنة عشرة من عمره، إلا أن حضوره في ذلك اليوم كان يشي بثقل عمر مليء بالكراهية والضياع. وجهه، الذي كان يمكن أن يكون كأي وجه شاب يافع، خفي وراء قناع أسود يخفي ملامح البراءة، ويبرز فقط العيون المتوقدة بنار من الغضب والكراهية. خوذته المعدنية تعكس الشمس، وكأنها درع فارس مظلم خرج من صفحات رواية سوداوية، بينما سترته التكتيكية تحمل رموزا تعكس عالما قديما مظلما؛ “الشمس السوداء” تتوسط صدره، تروي قصة تاريخ من الكراهية والدماء.
كل قطعة في مظهره كانت رسالة؛ رسالة من شاب قرر أن يجعل من جسده منصة لتمجيد الرموز التي اختار أن يمثلها. على مقبض السكين اللامع، حُفرت رموز “SS“، شعار النازيين، بجانب الحروف “KKK“، التي حملت إرثا من العنصرية والبغض. الصليب المعقوف، منحوت بحرفية مشؤومة، كان يلمع كأنه يُظهر تحديه للعالم بأسره.
بخطوات ثقيلة وثابتة، كأنه يمشي على إيقاع موسيقى كراهية لا يسمعها سواه، كان أردا يتحرك بين الحديقة مثل شبح خرج لينشر الظلام. بدا وكأنه يعيش مشهدا صنعه في مخيلته مسبقا، كل حركة محسوبة، كل خطوة تمهد لفعل أشد وحشية. عيناه لم ترفعا عن الفوضى التي أحدثها، تتجولان بين الصرخات والدموع كأنهما تقتاتان على الألم الذي أوجده.
كان يستمتع بكل لحظة، وكأن كل صرخة هي شهادة انتصار على “العالم الخائن“، كما وصفه في كتيب نشره قبل يوم من جريمته. ذلك الكتيب، الذي حمل عنوان (دليل التطهير الجماعي)، كان أشبه بمانيفستو الموت. لم يكن مجرد دليل للقتل، بل كان انعكاسا لعقل مشوش يبرر الوحشية كوسيلة لتحقيق غاية مشوهة.
في أعماقه، كان أردا يحمل عبئا من الحقد؛ حقدا على العالم، على من اعتبرهم أعداء، وعلى كل ما لم يستطع فهمه أو تقبله. لم يكن مجرد قاتل عابر، بل كان تجسيدا لأفكار سوداء تسربت إلى روحه، حولته إلى أداة في يد كراهية أعمى، تبحث عن ضحاياها دون تمييز.
عالم من الألعاب والموت
كان كتيب أردا كوتشوكيتيم، المعنون بـ”دليل التطهير الشامل”، أكثر من مجرد وثيقة؛ كان انعكاسا لعقلية مشوهة تنظر إلى العالم كساحة لعب، حيث الموت والدمار هما الجوائز الكبرى. صفحات الكتيب كانت مصبوغة بالسخرية المظلمة والعبثية القاتمة، كأنها صدى لصوت داخلي غارق في الكراهية واليأس.
في مقدمة الكتيب، كتب بأسلوب تهكمي موجّه لمن يقرأ: “هل تشعر بالضيق؟ هل تكره الحياة؟ هل تمقت العالم؟ إذا، هذا الكتيب لك. سيعلمك كيف تحوّل كراهيتك إلى أفعال بدل أن تبقى ضعيفا…” كانت الكلمات تشبه صيحة تحد، تستدرج القارئ للانغماس في عالم مريض من الكراهية والفوضى.
قسم أردا الأهداف إلى مستويات، وكأنه صانع لعبة إلكترونية بائس. “المساجد والكنائس” كانت تُصنَّف ضمن المستوى السهل، بينما “المستشفيات والمدارس” في المستوى المتوسط. أما “المطارات والقواعد العسكرية”، فقد أطلق عليها “وضع الكابوس”. كل مستوى يتطلب جهدا أكبر، ويُمنح نقاطا أكثر، وكأنها مكافأة في لعبة الموت.
حتى أدوات القتل لم تسلم من هذه الرؤية المريضة؛ فالسكين البسيطة حصلت على 20 نقطة فقط، بينما “القنبلة المصنوعة من الأسمدة” كانت تستحق 10,000 نقطة. حتى الملابس لم تُستثنَ؛ فالسترة التكتيكية تحمل 50 نقطة، مع 20 نقطة إضافية إذا زُينت بشعار “الشمس السوداء“.
وراء قناعه، كانت عيناه تبحثان عن هذه “النقاط”، تُمعنان النظر في ضحاياه، وكأن كل صرخة أو دمعة تُضيف إلى رصيده. لم يكن القتل مجرد وسيلة؛ بل كان غايته في البحث عن “المجد المريض”.
أردا لم يكن فقط يبحث عن الموت، بل كان يسعى إلى تخليد اسمه عبر الرعب. أراد أن يترك أثرا لا يمحى، كأنه يقول للعالم: “أنا هنا. سأُجبركم على تذكري، ليس بالحياة التي عشتها، بل بالموت الذي أوزعه.” كان الكتيب دليلا مروعا على كيف يمكن للكراهية أن تُحوّل حتى أبشع الأفعال إلى لعبة، حيث الخاسر الوحيد هو الإنسانية.
الهروب الأخير
وسط صرخات الهلع وأصوات الأنين التي ملأت الحديقة، ظهرت الشرطة كظل ثقيل يخترق ضباب الفوضى. خطواتهم السريعة كانت تضرب الأرض كما لو أنها تحمل غضب العالم بأسره. تداخلت أصوات أوامرهم الحازمة مع نحيب الجرحى وصيحات المتجمهرين، وكأن المشهد تحول إلى معزوفة حزينة تُعزف على وتر الموت.
لم يكن لأردا كوتشوكيتيم مكان للهروب. بين الأشجار التي شهدت جرائمه والأرض التي لطختها دماء الأبرياء، وجد نفسه محاصرا. رجال الشرطة، بأسلحتهم المصوبة وعيونهم التي تشع غضبا واحتقارا، كانوا يتقدمون نحوه بخطوات واثقة. أدرك أن لعبته انتهت.
في لحظة السقوط، كان أردا يحدق في ساحة الموت التي صنعها. الدماء المبعثرة، والوجوه المذعورة، والأصوات المرتجفة، كلها كانت بمثابة مرآة تعكس وحشية أفعاله. لم يظهر على وجهه أي ندم؛ كانت عيناه تتأمل المشهد كرسام مهووس يراقب آخر ضربات فرشاته على لوحة ملطخة بالسواد.
حاصره رجال الشرطة، وأيديهم تشد قبضاتها على أسلحتهم، بينما أحدهم يصرخ بأمر الاستسلام. أردا، الذي كان يحمل أسلحته كأدوات لخلق الرعب، وجد نفسه الآن عاجزا أمام القوة الحقيقية للقانون. ألقى نظرة أخيرة على الكاميرا المثبتة على صدره، وكأنه يأمل أن يُخلّد هذا المشهد الأخير.
في تلك اللحظة، لم يعد أردا يرى نفسه كجان أو ضحية، بل كصورة أخرى في سلسلة طويلة من القتلة الذين اعتقدوا أن العنف يمكن أن يكتب أسماءهم على صفحات التاريخ. لكن ما كتبته تلك اللحظة كان نهاية، بلا مجد، وبلا معنى. فقط فوضى، ألم، وصمت ثقيل يلوح في الأفق.
رسالة الدم والرماد
إسكي شهير، المدينة التي كانت ترقص على أنغام الحياة الهادئة، انقلبت في لحظة إلى مسرح للحزن والرعب. لم تكن تلك الدماء التي سالت مجرد نقطة في بحر الجرائم، بل رسالة قاتمة تُحمل مع كل أنفاس البريئين الذين غادروها. رسالةٌ كتبتها يد الكراهية، مزينة برماد الأحلام المحترقة وصدى الصرخات المكتومة.
كانت الحروف الأولى لهذه الرسالة محفورة على وجه الأرض، حيث امتزج العشب الأخضر بالدماء الحمراء، وكأن الطبيعة نفسها تبكي مصير البشر. لم تكن إسكي شهير الأولى، ولن تكون الأخيرة، فالكراهية تجيد التنقل بلا جواز سفر، تغزو العقول الفارغة وتنشر سمومها كعدوى قاتلة.
في عصر تُبث فيه الكراهية عبر شاشات الهواتف الصغيرة وتُغذى بأفكار مظلمة من عالم رقمي بلا ضوابط، يتحول الدم إلى رسالة تُرسل من دولة إلى أخرى و من مدينة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر. تحمل هذه الرسالة تحذيرا واضحا: لا يحتاج الشر إلى جيش ليغزو، يكفيه عقلٌ مشوش، ووهمٌ قاتل، ومجتمعٌ يغض الطرف حتى يصبح الضحية التالية.
تُذكرنا مأساة إسكي شهير بأن الكراهية ليست فقط عملا فرديا، بل هي نتاج بيئة تغفل عن معالجة الجذور. إنها دعوة لإعادة التفكير، لإعادة البناء، ولإطفاء جذوة الحقد قبل أن تتحول إلى نيران تلتهم كل شيء.





