حكم الحاكم يرفع الخلاف بأي معنى؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

 

 

أمتنا اليوم في حاجة ملحة إلى إعادة النظر في فقهها السياسي، الذي يحقق مصالحها، ويحفظ كيانها، ويحمي حماها، لا أن تبقى رهينة فقه لم يعد له أثر في الواقع السياسي والاجتماعي. نعم نستفيد منه، ونتمسك بأصوله الثابتة وقطعياته، وننهل من قواعده، ونمتح من ضوابطه، من غير ذوبان في فروعه وتفريعاته الشكلية، أو ما كان منه مرتبطا بعصوره وأمصاره.
وفي هذا السياق أحب أن أعرج على قاعدة هي الأخرى انتزعت من سياقها الشرعي، لتوظف في صالح الاستبداد وحكم اللصوص المتغلبة، على حد تعبير الإمام الزمخشري في تفسيره الماتع الموسوم بـ (الكشاف)، وهم أئمة وأمراء الجور، الذين “لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص ‌المتغلبة”. (ج1، ص524).
وهذه القاعدة هي: (حكم الحاكم يرفع الخلاف). وكثيرا ما أسمع بعض أهل العلم وغيرهم من علماء السلطة يروجون لهذه القاعدة الفقهية النفيسة، وعندها تختلجني كثير من السؤالات، نظرا لأن بعضهم يوظفها توظيفا سياسيا.

فلا ريب أن هذه القاعدة نبتت في جو كانت تسوده الشريعة، وتحكم الدولة برمتها، فهي مرجعيتها العليا ، وكان الحكام بها يديرون شؤون البلاد والعباد، وعلى ضوئها يجتهدون ويقررون، ويقدمون ويحجمون، فقد كان لهم حظ من العلم، بل كان منهم مجتهدون، وباختصار فالشريعة هي السائدة، وكلمتها هي العليا، فلها بذلك القيادة والريادة والسيادة، استمر هذا الوضع طوال قرون، إلى أن جاء الاحتلال والاستدمار الغربي بخيله ورجله، وعملائه وأزلامه، ووكلائه ونوابه، فاسبدلوا القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية، وهمشوا العلماء وضيقوا عليهم، وأصبحت الشريعة فقط محصورة في ما سمي بالأحوال الشخصية، فأصبحنا أمام وضع جديد وغريب، أزيحت الشريعة من نظام الحكم.
أمام هذا الوضع السيء فالحاكم هو الذي رفع الشريعة من الوجود، أو استمر في رفعها تبعا للمحتل، فهل يعقل أن يستمر بعض فقهائنا وعلمائنا في ترديد قاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف) فعن أي حاكم يتحدثون؟ ما هي شروطه وأوصافه حتى يرفع الخلاف؟ بل الصحيح أن الحاكم اليوم في العالم الإسلامي هو من رفع الشريعة. وهل يوجد حقيقة خلاف بين العلماء في مسائل الاجتهاد تهم الدولة حتى نحتاج إلى حكم الحاكم ليرفع لنا الخلاف فيها؟ وهل ما بقي من الشريعة في الأحوال الشخصية يقتضي اجتهاد الحاكم لرفع الخلاف فيه؟ وهل هذا الحاكم أهل لرفع الخلاف؟ وهلم جرا من أمثال هذه الأسئلة.
إذن فنحن أمام وضع دخيل، غيبت فيه الشريعة عن الحكم، وعن الشأن العام، وسادت القوانين الوضعية الإفرنجية، وأصبح الحكام تكوينهم قانونيا في أحسن الأحوال، إن لم يكن بخلاف ذلك، فلا معنى أن يردد بعضهم (حكم الحاكم يرفع الخلاف)، فليس هناك شريعة تحكم، ولا اجتهاد في قضايا بذاتها يراد تطبيقها، فوقع الخلاف في شأنها حتى يقال برفع الخلاف، لأن الحاكم اليوم رفع الشريعة أصلا من الحكم وتدبير الشأن العام، وحصرها في قانون الأسرة أو الأحوال الشخصية، التي ما زال كيد العلمانيين واللادينيين يتربص بها، رافعا سيف المواثيق الدولية عليها.

فالشريعة الإسلامية جاءت لتحكم الناس، ويحتكم إليها الناس، فهي من عند رب الناس، فهي مصدر السعادة والرقي والحضارة والرفعة والسمو، فحين تخلت عنها الأمة، واستبدلتها بغيرها عاشت وتعيش الضنك والاستبداد والطغيان، في كل المجالات، وفي كل القضايا والميادين، حتى تسلط عليها أعداؤها يسيمونها سوء العذاب، فيذلونها ويستحوذون على خيراتها ومقدراتها. كل هذا يقع من جراء غياب الشريعة، ولا أحد من العلماء، ولا حتى من الحركات الإسلامية يطالب مرة مرة بالرجوع إلى تحكيم الشريعة وتطبيقها.
ولا أقصد بتطبيق الشريعة ذلك المعنى المحصور في تطبيق الحدود والعقوبات، كما يروج له بعض الناس، وإنما أعني به تطبيق الشريعة تطبيقا شموليا في كافة المجالات بما فيها المجال السياسي في اختيار الحاكم ومجالس الشورى وغيرها، فأحكام الشريعة مرتبط بعضها ببعض، ويعضد بعضها بعضا. أما التطبيق الانتقائي أو التجزيئي فهذا ينتسب إلى منهج العضينية، ودين الله لا يقبل العضى، وليس بالمعضى.
فعندما نطبق الشريعة، ونرضاها في واقعنا وحياتنا، وتكون هي المرجعية العليا، لها الكلمة، ولها السيادة والريادة، وإليها يرجع الحكام والشعوب، فعندها يمكن الحديث عن حكم الحاكم يرفع الخلاف.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...