تقرير عن ندوة: الكرامة الإنسانية بين التصور النظري والتطبيق العملي: آليات التحقيق.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. إبراهيم بايزو: أستاذ وباحث في علم الاجتماع.
ذ. عبد العزيز حبدي: أستاذ ومهتم بقضايا الشباب والقيم

 

 

 

نظم المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري يوم الجمعة 08 فبراير/شباط 2025 ندوة في موضوع: الكرامة الإنسانية بين التصور النظري والتطبيق العملي: آليات التحقيق. وقد ساهم في تأطير هذه الندوة التي في سياق فعاليات الدورة الثالثة لسفراء المكارم الموسومة بدورة الكرامة ثلة من الأساتذة والباحثين الأفاضل من المغرب والأردن والسينغال، وذلك تحت إدارة الأستاذة علياء شاكر من تركيا.

استهلت أشغال الندوة بكلمة مديرة الندوة الأستاذة: علياء شاكر حيث أكدت على السياق الذي يأتي فيه تنظيم الندوة. وقد ركزت في تقديمها على أن تناول هذه القيمة الإنسانية التي يفترض فيها أن تولد مع كل إنسان يأتي في سياق يعيش فيه العالم على وقع مفارقات صارخة بين تعالي شعارات حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والتقدم الحضاري من جهة، وبين واقع الانتهاكات التي تطال الكرامة الإنسانية في ظل السياسات العالمية والوطنية التي لا تراعي الحقوق الآدمية للإنسانية ولا تعير أي اهتمام للكرامة الإنسانية فضلا عن الحروب وتزايد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من جهة أخرى. وقد أفضت -استنادا لذلك- إلى استنتاج أن هناك حاجة إلى إبداع آليات ناجعة من شأنها أن تساهم بفعالية في جعل الكرامة الإنسانية واقعا يعيشه الإنسان في عالم يزداد توحشا، وإلى أن هذه المسؤولية مشتركة بين النخب والمؤسسات، وأنها تتجاوز الفهم النظري إلى تطوير استراتيجيات عملية تتوحد في إطارها الجهود الصادقة على كل المستويات. وهذا ما يرتقي بالندوة -في تقديرها- من مجرد حلقة نقاش إلى دعوة للتفكير في التحديات التي يفرضها تحقيق الكرامة الإنسانية والآليات التي من شأنها أن تسهم في التمكين للإنسان وتكريمه.

في بداية المداخلات تناولت الكلمة الدكتورة صباح العمراني، العضو بكل من مجلس أمناء الائتلاف العالمي للأخلاق والقيم والمركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري، بمداخلة بعنوان: “الكرامة الإنسانية والضمانات القانونية لتحقيقها في المنتظم الدولي.” وقد استعرضت في مداخلتها مجمل المقتضيات الضامنة للكرامة للإنسانية في التشريعات الدولية بالاستناد للإعلانات والعهود والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على أن الكرامة الانسانية هي حق لكل إنسان بغض النظر على أي اعتبار آخر كيفما، وأنه لا يجوز انتهاكها تحت أي ظرف كان. وقد أكدت الدكتورة على استمرار انتهاكات حقوق الناس في الكرامة في كل أنحاء العالم في ظل السياسات الحالية وفي ظل ازدواجية المعايير في إعمال القانون الدولي. ومثلت لذلك بطريقة تعاطي المنتظم الدولي مع ما يجري في قطاع غزة من حرب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية لتخلص إلى أن هذا الواقع يفرض على العاملين في هذا المجال تحديات تتعلق بتكثيف الجهود في مواجهة هذه الانتهاكات لا سيما على صعيد تعزيز استقلالية المؤسسات الدولية وإصلاح آليات تنفيذ القوانين الدولية ودعم ثقافة حقوق الانسان.
وقد ختمت الباحثة مداخلتها بعدد من التوصيات ترى أنه من شأنها أن تساعد في رفع هذه التحديات ومنها:
تعزيز فعالية المؤسسات الدولية عبر إصلاح الأمم المتحدة بما يحد من تأثير استخدام الفيتو ويعزز المصداقية هذه المنظمة،
إنشاء آليات إقليمية إضافية لتوسيع نطاق الحماية القانونية في المناطق التي تشهد نزاعات،
تعزيز الشفافية والمساءلة ضد الدول المتسلطة والشركات التي تستغل النزاعات،
إعطاء دور أكبر للمجتمع المدني لرصد الانتهاكات والضغط على الحكومات،
إصلاح المنظومة الاقتصادية لتقليص الفجوة الاقتصادية بين الدول الغنية والنامية.

في مداخلته التي جاءت تحت عنوان: “دور العلماء والأكاديميين والساسة والمراكز البحثية في التنظير للكرامة الإنسانية وسبل النهوض بها،” تطرق المدير العام لأكاديمية رواسي الدعوية الشبابية في الأردن الدكتور علاء حسني لدور المؤثرين في فهم وتطبيق الكرامة الإنسانية وأهمية ومحورية إسهامات الشخصيات المؤثرة عبر التاريخ وفي مختلف السياقات الحضارية في ترسيخ وتطبيق القيم الإنسانية وعلى رأسها قيمة الكرامة. وقد استند على حقيقة تكريم الإنسان في الخلق والعقل ليوضح موقع الكرامة الإنسانية في الإسلامية ومن ثمة التأصيل لها باعتبارها الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان. وقد توقف عند العلاقة بين الكرامة الإنسانية وباقي الحقوق حيث أكد -تأسيسا على ما سبق من تأصيل للكرامة في الإسلام- أن تحقيق هذه الأخيرة يتوقف على تحقيق الحقوق بشكل تظافري مركزا بشكل أساسي على قيمة الحرية باعتبارها حقا وقيمة في آن مؤكدا أنه لا يمكن الحديث عن الكرامة في ظل انتهاك الحق في الحرية على اختلاف مجالاتها.
وفي الجزء الثاني من مداخلته، وضح الدكتور علاء كيف أن الكرامة الإنسانية قيمة تتعدى المستوى الخاص حيث تتعلق بالشخص إلى مستوى عام يرتبط فيه كرامة كل إنسان بسعيه من أجل أن يتمتع الآخرون من بني آدم بهذه القيمة الأصيلة. ومن هنا، أكد على مسؤولية المؤسسات العلمية والأكاديمية والمراكز البحثية والهيئات الدعوية والتربوية في العمل على تعزيز هذه القيمة، وذلك من خلال مدخلين أساسيين هما: مدخل توحيد الجهود وتنسيقها، ومدخل نمذجة المواقف والقدوات التي تعمل على تعزيز قيمة الكرامة الإنسانية في الممارسات اليومية للأفراد والمؤسسات على اختلاف أنواعها ومجالات تدخلها.

تناول الكلمة في المداخلة الثالثة والتي كانت باللغة الإنجليزية الأستاذ بجامعة محمد الأول بالمغرب الدكتور إبراهيم العوني. وقد أكد في كلمته على حاجة الإنسانية للكرامة وأن هذه الأخيرة تعتبر قيمة أصيلة في كل الحضارات، وأن الحفاظ على الكرامة الإنسانية هو ما يؤمن للإنسان العيش الكريم. ولبيان هذه الفكرة، لجأ الباحث للتأصيل لقيمة الكرامة من خلال المصادر الشرعية كما استدعى مواقف وآراء باحثين ومفكرين من مختلف السياقات الحضرية. وقد ركز بشكل رئيسي على الباحثة الأمريكية هربرت ميد وجوابها لأحد طلابها عن أهم شيء في تاريخ البشرية في تقديرها، وكذلك عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة الذي اهتدى لقيمة القيم من خلال مشاهداته في الحياة اليومية للمجتمع المغربي
وتحت ضوء هذه القراءة، فحص الأستاذ الجامعي ما تتعرض له غزة من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية ليؤكد أن هذه الأخيرة هي ضحية لازدواجية المعايير عند القادة الغربيين، وأن هذه الازدواجية تتناقض مع تأكيد كل الثقافات على محورية قيمة الكرامة الإنسانية وأهميتها. وهي الفكرة التي ركز على بيانها من خلال استدعاء آراء وأفكار مفكرين وفلاسفة المؤسسين في مختلف السياقات الحضارية.

في ختام المداخلات، تناول الكلمة عضو الأمانة العامة لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة بالسنيغال الدكتور محمد سعيد با. وقد بدأ مداخلته بالتأكيد على قيمة الكرامة هي قيمة بنيوية في الفكر الإسلامي كما في الفكر الحضاري الإنساني، وأن منظومة حقوق الإنسان لا تعدو أن تكون آلية من آليات تحقيق الكرامة الإنسانية التي هي مطلب الإنسانية بمطلق وجود بني آدم وبمطلق ما يتعلق بهذا الوجود. وأسس على اقتران قيمة الكرامة بقيمة استخلاف الله للإنسان على الأرض -كما يراهما- ليهتدي إلى أن مفهوم الحرمة في الإسلام يتأسس على تحقيق الكرامة الإنسانية: فكل ما يمس بكرامة الإنسان يدخل في دائرة التحريم.
وبالعودة للتاريخ، توقف الباحث عند إشادة النبي صلى الله عليه وسلم بحلف الفضول مؤكدا أن التنويه النبوي ينطلق مما يتضمنه هذا الحلف من تأكيد على الكرامة الآدمية كما توقف أيضا عند دستور المدينة الذي اعتبره وثيقة تدور كل مقتضياتها على تحقيق هذه القيمة دون أن يفوته استدعاء أحداث فتح سمرقند وما وقع بين الصحابيين الجليلين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح رضي الله عنهما فضلا عن رسالة حاكم شمال السنغال وجنوب موريتانيا للمقيم العالم الفرنسي ليؤكد على ذات الفكرة. ومن خلال المقارنة بين هذه الوقائع وما يستفاد منها حرص المسلمين على قيمة الكرامة من جهة وما يقوم به الصهاينة بدعم غربي في غزة من جهة ثانية، بين الدكتور أن ما يحدث في هذه البقعة الكريمة يشكل نموذجا صارخا لانتهاك الكرامة يرقى بها لأن تكون أشد لوحات التاريخ الإنساني قتامة على الإطلاق.
وبعد المداخلات الأربع، فتحت مديرة الندوة المجال للحضور من أجل التفاعل معها تعقيبا وتساؤلا. وهو ما تفاعل معه الأساتذة الأفاضل من خلال تعقيبات ثمنت ما جاء في بعضها من إضافات ومقترحات كما حاولت تقديم إجابات عما طرحه بعضها من تساؤلات واستفسارات.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...