الشيخ الرّباني سيدي جمال الدين القادري بودشيش: وارث السرّ وراعي أنوار الطريق

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بإيطاليا

 

حين يكون الحديث عن رجال وأولياء الله الصالحين، أولئك الذين كرّسوا أرواحهم جسورًا بين الأرض والسماء، ومن قلوبهم مصابيحَ تضيء دروب السائرين، تتوارى الأقلام خجلًا، لأن الكلمات مهما تجمّلت تظل عاجزة عن الإحاطة بحقائقهم، ولأن المداد مهما سال لن يفيهم حقهم.
نحن أمام رجلٍ ليس ككل الرجال، بل أمام اسمٍ يُذكر، فتسر له وتفرح له القلوب، وأمام روحٍ تهفو إليها الأرواح شوقًا، وأمام شخصيةٍ جمعت بين العلم والتربية، بين السرّ والميراث، بين الجمع والتفرقة، بين الولاية والعلم، بين الظاهر والباطن، بين الغيب والشهود.
فضيلة الشيخ الدكتور سيدي جمال الدين القادري بودشيش، حفظه الله وأطال عمره، لم يكن مجرد شخصيةٍ روحية أو عالمًا أكاديميًا، بل كان صلة الوصل بين الأجيال، وتجسيدًا حيًّا لاستمرارية السند الصوفي، وامتدادًا لنورٍ لم ينطفئ ومشكاةٍ لم تخبُ عبر الزمن.


* سلالة النور وعرش التربية:
ليس كل نسبٍ نسبًا، وليس كل سلالةٍ نورًا، لكن الله يصطفي من عباده من يجعلهم مناراتٍ للعارفين، وأوتادًا تحفظ التوازن الروحي للأمة، ومرشدين لمن أضلّهم التيه.
ومن بين هذه البيوت، كانت الزاوية القادرية البودشيشية، التي تعود أصولها إلى القطب الرباني مولاي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، والتي ترسّخت في أرض المغرب منذ قرون، حاملةً مشعل التربية الروحية، ومجسّدةً معاني الإحسان في أبهى صوره.
توالت فيها أسماءٌ لا تُذكر إلا مقرونةً بالنور: سيدي المختار، سيدي حمزة بن العباس، وغيرهما من رجالٍ كانوا أعمدةً سامقةً، وأركانًا ثابتةً في هذا الصرح الروحي العظيم.
وفي حضن هذه الزاوية المباركة، شبّ وترعرع الشيخ سيدي جمال الدين، ينهل من معين التربية، ويرتشف من ينابيع الحكمة، حتى أصبح كالنهر الذي يتدفق امتدادًا لمنبعه الأول.
كان حديثه ظلًّا لكلام والده، وخطاه امتدادًا لخطاه، حتى قال بعض المريدين في دهشةٍ صادقة: “ما يقوله سيدي جمال هو نفسه ما سمعناه من سيدي حمزة، كأن الصوت واحدٌ، وكأن السرّ لم يبارح مكانه!”
لكن هذا التماهي لم يكن مجرد تكرارٍ أو محاكاة، بل كان استمراريةً في السند، وتجددًا في المشكاة، وامتدادًا في النور. كيف لا، وقد قال الشيخ سيدي حمزة رحمه الله كلمته التي بقيت شاهدًا على وحدة السرّ: “إن الذي عندي هو نفسه عند ابني جمال.”
كلماتٌ قليلة، لكنها تحمل في طيّاتها معنى الإرث الروحي العميق، الذي لا يُنقل إلا لمن امتزج به، وصار جزءًا من كيانه.
* بين العلم والتربية… مقامُ الجمع بين الظاهر والباطن:
لم يكن الشيخ سيدي جمال الدين صوفيًا منعزلًا عن العلم، ولا عالمًا غافلًا عن سرّ التصوف، بل جمع بينهما كما يجمع البحر بين الموج والعمق، وكما يجمع الليل بين الظلمة والضياء.
تلقى تكوينه الأكاديمي الرفيع في العلوم الشرعية، وحصل على درجة الدكتوراه من دار الحديث الحسنية بالرباط، لكنه لم يكن مجرد حاملٍ لشهادة، بل كان حاملًا للسرّ قبل أن يكون حاملًا للعلم.
كان في عينيه بريق المعرفة، وفي كلماته صدى السند، وفي حضوره أمان القلوب التائهة. لم يكن العلم عنده منفصلًا عن السلوك، بل كان يرى أن العلم بلا تربيةٍ قيدٌ، والتربية بلا علمٍ تيهٌ.


* خصال التواضع الذي يذيب الفواصل:
لم يكن غريبًا أن يكون الشيخ سيدي جمال الدين بحرًا من التواضع، فقد كان يرى أن المشيخة ليست ترفّعًا، بل انحناء، وليست سلطةً، بل خدمة، وليست مجدًا، بل محوٌ للذات في سبيل الله.
في مجالسه، لا فرق بين مريدٍ غنيٍّ وفقير، بين صالحٍ وتائب، فالقلوب هي المعيار، والنيات هي الميزان. كان يخدم بنفسه، يناول الطعام بيديه، يرعى حاجات المريدين، يسبقهم في الخدمة، حتى لا يشعر أحدٌ بأنه ضيفٌ في زاويته.
أما عن زهده، فقد كان صفحةً أخرى من صفحات التجرّد، فبينما بنيت أماكن فسيحة لاستقبال الزائرين، اختار أن يقيم في غرفةٍ صغيرة، بالكاد تتسع لجسده وروحه، وكأنه كان يقول للعالم: “ما حاجتي لاتساع المكان، وقد وسّع الله قلبي بأنوار الذكر؟”
* الصبر على الابتلاء… مقام الحب الأعظم:
حين يُبتلى المرء، إما أن يصبر أو يجزع، لكن حين يُبتلى أهل الله، فإنهم لا يصبرون فقط، بل يعشقون البلاء، لأنهم يعلمون أن وراءه سرًّا لا يُمنح إلا للخاصة.
ألم يقل سمنون المحبّ ذات يوم: “ضاعف علي بجهدك البلوى، فإني فيك قد وضعتُ رجائي”. هكذا كان الشيخ سيدي جمال الدين، يرى المرض ليس كحاجزٍ، بل كبابٍ للترقي، وسُلّمًا للعبور إلى مقامات أعلى.
وذات يوم، قال له أحد مريديه مشفقًا عليه: “أدعو الله أن يشفيك مما تعانيه، شيخنا الحبيب.” لكن جوابه لم يكن جواب العوام، بل كان جواب العارفين بالله: “إن هذا الحال الذي أنا فيه هو مطلبي ومبتغاي، لأن هناك مقاماتٍ لا تُدرك إلا بهذه الابتلاءات.”
إنها كلماتٌ تخرج من قلبٍ وصل إلى مقام الرضا، ومن روحٍ لم يعد يطلب شيئًا إلا مزيدًا من القرب.
* القصيدة التي كانت لا تفارقه:
لم يكن الشيخ سيدي جمال الدين مجرد مربياً، بل كان ذاكراً لله بكل كيانه، لا يفتر لسانه، ولا يسهو قلبه، حتى إنه كان يكرر ويعيد قصيدةً كانت ملازمة له طوال حياته، يرددها بخشوعٍ، وتغمره دموعٌ لم يكن يخفيها:
إِنَّ لِلَّهِ عِبادا فُطَنا؛ تَرَكوا الدُنيا وَخافوا الفِتَنا.
نَظَروا فيها فَلَمّا عَلِموا؛ إِنَّها لَيسَت لِحَيٍّ وَطَنا.
جَعَلوها لُجَّةً وَاِتَّخَذوا؛ صالِحَ الأَعمالِ فيها سُفُنا.
كان كل بيتٍ منها يخرج من قلبه كأنه دعاء، وكان كل حرفٍ فيها يذرفه بدمعٍ يشهد على صدقه.


* السرّ الذي لا ينقطع:
كان الشيخ سيدي جمال الدين مدركًا لضرورة استمرارية السند، وامتداد النور، وتجدد العهد، لذلك حرص، حتى في أشد حالاته المرضية، على أن يعلن وصيته ويوثقها، مشيرًا إلى أن المشيخة ستنتقل إلى ابنه البار مولاي منير.
وهكذا، يستمر النور، ولا تنطفئ المشكاة، وتبقى أسرار الطريق محفوظةً، تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن روحٍ إلى روح، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
* رجلٌ لا يموت اسمه:
بعض الرجال يموتون حين تغيب أجسادهم، لكن بعضهم يبقى خالدًا لأن أنوارهم لا تنطفئ، وذكراهم لا تُمحى.
الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش، أحد هؤلاء الذين لن يُنسى اسمهم، ولن ينطفئ نورهم، ولن ينقطع ذكرهم.
هو تاريخٌ ممتد، وسرٌّ محفوظ، وولايةٌ متصلة، ورجلٌ لا يموت اسمه، ولو غاب جسده.
حفظه الله، وبارك في ذريته وأسرته ومريديه، وأبقى نوره مشرقًا لا يخبو أبدًا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...