صادق الطائي
كاتب عراقي
يبدو أن الأوروبيين يواجهون اللحظة التي طالما تخوفوا منها في موضوع الحرب الأوكرانية. إذ راقبوا بتوجس كل تصريحات دونالد ترامب في حملته الانتخابية الأخيرة، ووعوده التي أطلقها حول إنهاء الحرب الأوكرانية في اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض، دون أن يعرب عن تفاصيل خططه في هذا الشأن.
اليوم باتت تصريحات الرئيس دونالد ترامب، ووزير دفاعه بيت هيجسيث واضحة وصريحة، وتنبئ الأصدقاء قبل الأعداء بنية إدارة ترامب إيقاف أي دعم لأوكرانيا، ما يعني محاصرة فلولوديمير زيلينسكي في زاوية حرجة، حيث سيفرض على أوكرانيا الرضوخ لشروط سلام مجحف، تتنازل فيه عن أراضيها التي احتلتها روسيا منذ 2014 حتى الآن، مع التعهد بعدم إدخال أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، ما يعني ضمنيا تحقيق شروط بوتين إلى حد كبير ليقبل بوقف إطلاق النار.
بدأت حلحلة موضوع إيقاف الحرب في أوكرانيا بمنشور على منصة (Truth Social) التي يمتلكها دونالد ترامب، حيث قال الرئيس الأمريكي إنه والرئيس الروسي اتفقا على أن، «تبدأ فرقنا الخاصة المفاوضات على الفور». وفي وقت لاحق، قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إنه تحدث مع الرئيس ترامب حول «سلام دائم وموثوق». وجاءت المكالمات مع الأطراف المتحاربة في الوقت الذي قال فيه ترامب ووزير دفاعه إنه من غير المرجح أن تنضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وهو ما سيكون بمثابة خيبة أمل مريرة لكييف.
الرئيس ترامب صرح بأنه يتفق مع وزير دفاعه بيت هيجسيث، في ما ذكره في اجتماع بروكسل في قمة حلف شمال الأطلسي يوم الأربعاء 12 شباط/فبراير الجاري، أي لا يوجد احتمال لانضمام أوكرانيا إلى حلف (الناتو). وأضاف؛ «نريد، مثلكم، أوكرانيا ذات سيادة ومزدهرة. ولكن يجب أن نبدأ بالاعتراف بأن العودة إلى حدود أوكرانيا قبل عام 2014 هدف غير واقعي. وأن ملاحقة هذا الهدف الوهمي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب، والتسبب في المزيد من المعاناة». كما زعم وزير الدفاع الأمريكي أن ترامب هو «الرجل الوحيد في العالم» القادر على جمع الجانبين معا، وأصر على أن محاولات الولايات المتحدة للتفاوض على السلام «بالتأكيد ليست خيانة» للجنود الأوكرانيين الذين يقاتلون القوات الروسية الغازية. وفي وقت سابق، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد حان الوقت لوقف هذه الحرب السخيفة، حيث كانت هناك وفيات ودمار هائل وغير ضروري. بارك الله شعبي روسيا وأوكرانيا». ولم يحدد موعدا للقاء الثنائي مع الرئيس بوتين، لكنه قال لاحقا للصحافيين في البيت الأبيض: «سنلتقي في المملكة العربية السعودية». وقال للصحافيين في البيت الأبيض أيضا إنه من غير المرجح أن تعود أوكرانيا إلى حدودها قبل عام 2014، ولكن ردا على سؤال من هيئة الإذاعة البريطانية، قال «إن بعض تلك الأراضي ستعود». في حين كان من المعروف منذ فترة طويلة أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستكون أقل تعاطفا مع أوكرانيا من سابقتها، فإن كلمات ترامب ووزير دفاعه لن تسعد إلا موسكو. وقد زعم زيلينسكي مرارا وتكرارا أنه «لا يمكن إجراء محادثات بشأن أوكرانيا من دون أوكرانيا» ، لكن المكالمة الهاتفية بين ترامب وبوتين أثبتت عكس ذلك. وقال زيلينسكي، بعد لقائه بنائب الرئيس الامريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو على، هامش مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة 14 فبراير الجاري، «نحن مستعدون للسلام» ، كما قال إن نظيره الأمريكي دونالد ترامب «يدعمنا ونحتاج إلى المزيد من النقاش والعمل». من جانبه، وصف فانس اللقاء مع زيلينسكي بالـ»جيد»، وقال، «سنعمل على الوصول إلى نهاية مسؤولة لحرب أوكرانيا». من جانبه قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إن الرئيس بوتين يؤيد فكرة الرئيس ترامب، بأن الوقت قد حان للعمل معا. وقال بيسكوف إن المكالمة الهاتفية بين بوتين وترامب استمرت قرابة ساعة ونصف الساعة، وخلالها وجه الرئيس الروسي دعوة لترامب لزيارة موسكو.
ومن جانب آخر، وردا على محاولة ترامب التفرد بحل أزمة الحرب الأوكرانية عبر لقاء ثنائي روسي- امريكي في المملكة العربية السعودية، جاء الموقف الأوروبي الرافض على لسان سبع دول أوروبية، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا. إذ أصرت هذه الدول على أن تكون جزءا من أي مفاوضات مستقبلية بشأن مصير أوكرانيا. وجاء في البيان المشترك الصادر بعد اجتماع وزراء الخارجية في باريس: «يجب أن تكون أهدافنا المشتركة وضع أوكرانيا في موقف قوة». وأضاف البيان «يجب أن تكون أوكرانيا وأوروبا جزءا من أي مفاوضات». ودعوا إلى ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا وقالوا، إنهم يتطلعون إلى مناقشة الطريق إلى الأمام مع حلفائهم الأمريكيين.
بدا الدبلوماسيون الأوروبيون غير متأكدين من كيفية الرد، وهم يحاولون معالجة تفاصيل إعلانات هيجسيث وترامب. الحقيقة الوحشية من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي تتمثل في أن العلاقات مع البيت الأبيض الجديد سيئة للغاية لدرجة أنها غير موجودة تقريبا. ولم يكن هناك تعليق فوري من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على تصريحات ترامب الأخيرة. كما نشرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، في وقت لاحق على منصة X؛ «يجب أن يكون لأوروبا دور مركزي في أي مفاوضات»، وأضافت: «استقلال أوكرانيا وسلامة أراضيها أمر غير مشروط، يجب أن تكون أولويتنا الآن تعزيز أوكرانيا وتوفير ضمانات أمنية قوية».
كما قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك للصحافيين:»لقد أكدنا دائما أنه لن يتم اتخاذ قرار بشأن أوكرانيا من دون أوكرانيا. ولا يمكن تحقيق السلام إلا معا. وهذا يعني: المفاوضات يجب أن تكون مع أوكرانيا ومع الأوروبيين». وفي حديث صحافي، قال وزير خارجية لاتفيا بايبا برازي: «إن وجود أوكرانيا في أي محادثات سلام أمر مهم للغاية». أما الموقف البريطاني فيمكننا قراءته من تصريحات وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، فبعد معرفة خطة ترامب للقاء بوتين في المملكة العربية السعودية لمناقشة القضية، قال هيلي، إن الرئيس الأوكراني فلولوديمير زيلينسكي يجب أن يكون له رأي. ويقال إن شخصيات حكومية بريطانية ردت بغضب على المزاعم القائلة، إن أوكرانيا ستضطر إلى التنازل عن أرض لروسيا في اتفاق السلام، قائلين عن موقف الإدارة الأمريكية: «الأوغاد سيفعلون هذا». وقد يمثل الرد البريطاني القوي أول اختبار كبير للعلاقات بين 10 داوننغ ستريت والبيت الأبيض، إذ قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، في رده على الاقتراح في الاجتماع الاخير لحلف شمال الاطلسي في بروكسل: «لقد سمعنا دعوات الرئيس ترامب بين عشية وضحاها، ونريد جميعا أن نرى سلاما دائما وعدم العودة إلى الصراع والعدوان. ولا ننسى أن روسيا تظل تهديدا يتجاوز أوكرانيا بكثير. لذا فإن رسالتي في هذه المناقشات ستكون أنه لا يمكن إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا دون أوكرانيا، ويجب أن يكون صوت أوكرانيا في قلب أي محادثات. إن وظيفتنا كوزراء دفاع هنا في الناتو هي أن نضع المقاتلين الاوكرانيين في أفضل وضع لتأمين سلام دائم من خلال القوة».
لكن الموقف الرسمي لحلف شمال الأطلسي، الذي أيدته حكومة السير كير ستارمر، هو أن كييف على مسار لا رجعة فيه للانضمام إلى التحالف. وحسبما ورد كانت الشخصيات العسكرية البريطانية أقل دبلوماسية بشكل ملحوظ من جون هيلي في التعبير عن تحفظاتها بشأن مبادرة (ترامب- بوتين).
إذ رفض وزير الإسكان البريطاني ماثيو بينيكوك الاقتراح بأن تتخلى أوكرانيا عن آمالها في إخراج روسيا من جميع أراضيها، وأصر على أن الأمر متروك لكييف لتقرر متى تدخل في محادثات السلام مع موسكو «وبأي شروط». وعندما سُئل عما إذا كان يتفق مع اقتراح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بأن استعادة أوكرانيا لحدودها قبل عام 2014 أمر غير واقعي، قال السيد بينيكوك في لقاء صحافي: «لا، لا أعتقد ذلك، وهذا هو السبب بالتحديد وراء تصعيدنا ووقوفنا وراء أوكرانيا، في نضالها من أجل الحرية، وكوسيلة لتعزيز الأمن الأوروبي. لكنني أعتقد أن النقطة المهمة هي أن الأوكرانيين ما زالوا يقاتلون ويموتون بينما نحن نتحدث. في النهاية، الأمر متروك لهم ليقرروا متى يبدأون الحديث وبأي شروط».





