القنصلية بين الأوراق والوجوه: عهد جديد وتطلعات الجالية المغربية بطورينو

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
اعلامي كاتب صحفي مقيم بايطاليا 

 

 

 

لطالما كانت الهجرة رحلة مزدوجة بين الوطن والمهجر، بين الجذور التي تأبى النسيان والأفق الذي يدعو إلى الاكتشاف. وبين هذين البعدين، يعيش المغترب المغربي تجربةً متشابكة، حيث يحمل وطنه في قلبه وملفاته بين يديه، باحثا عن إدارة تفهم لغته، لا في حروفها فحسب، بل في احتياجاته وهمومه. في هذا السياق، تُنظم القنصلية العامة للمملكة المغربية في طورينو لقاءً تواصليا مع أفراد الجالية المغربية، تحت عنوان “الخدمات القنصلية في خدمة مغاربة العالم”، وكأنها تهمس في آذان أفراد الجالية: نحن هنا، أقرب مما تظنون.
ليس اللقاء مجرد إجراء إداري، بل هو جسرٌ يمتد بين المغاربة وإدارتهم، حيث يلتقي القنصل العام ورؤساء المصالح القنصلية بأفراد الجالية، يستمعون إليهم، يناقشون معهم، ويقدمون لهم ما تحتاجه حياتهم اليومية من وثائق وتصديقات وجوازات سفر، وأهم من ذلك، يمنحونهم الشعور بأنهم لا يزالون جزءا حيا من وطن لم يغادرهم وإن غادروه.
في قاعة اللقاء، ستكون هناك وجوهٌ أنهكها انتظار معاملة إدارية، وأخرى أتعبها الحنين قبل أن يُتعبها السفر. رجال ونساء، بعضهم جاء لتجديد جواز سفر، وآخرون ليبحثوا عن حلّ لوثيقة عالقة، لكنهم جميعا يحملون في ملامحهم قصة واحدة: قصة المغربي الذي، رغم البعد، يظل الوطن نبضه الأول.

إن اللقاء ليس مجرد تجمع رسمي، بل هو رسالة، تقول فيها الإدارة إنها ليست مجرد مكاتب وأختام، بل كيان حيّ يستمع ويتفاعل. ومن هنا، فإن القنصلية لا تمارس دورها التقليدي فقط، بل تفتح بابا للحوار، وتمنح الجالية فرصة التعبير عن احتياجاتها، لتشعر أن المسافة بين الوطن والمغترب ليست سوى جغرافيا، أما الانتماء، فلا تحدّه حدود.
ولتكتمل هذه الصورة، دعت القنصلية بطورينو الراغبين في الحضور إلى تأكيد مشاركتهم عبر البريد الإلكتروني، وكأنها تضع مفتاح اللقاء في أيديهم، وتقول لهم: “هذا المكان لكم، وهذه اللحظة تخصكم.” فالعمل القنصلي الفعّال لا يقوم على الأوراق فحسب، بل على الشعور بالمسؤولية تجاه كل مهاجر مغربي حمل وطنه في صوته وملامحه ولهجته، حتى وهو بعيد عنه.
واليوم، مع تعيين القنصل الجديد السيد بيد الله سيدي محمد، تتجدد الآمال في أن يكون القادم أفضل، ليس فقط على مستوى تسهيل المعاملات الإدارية، بل في إعادة بناء الثقة، وإقامة جسر تواصل فعّال بين القنصلية وأفراد الجالية. نترقب أن يأتي ببرنامج يقدم حلولا عملية للمشاكل التي تواجه الجالية المغربية بطورينو ونواحيها، وأن يكون هناك تواصل فعال ومستمر بين القنصلية والإدارة لضمان تقديم الخدمات بسلاسة وكفاءة.

لا يخفى على أحد أن هناك تحديات تحتاج إلى حلول ملموسة. فالهاتف المخصص لاستقبال مكالمات المواطنين لا يُرد عليه في كثير من الأحيان، مما يضطر المغاربة إلى التنقل شخصيا حتى للاستفسارات البسيطة. كما أن المصلحة الاجتماعية التي يُفترض أن تكون الجسر الذي يربط القنصلية بالجالية، لم تقم بدورها كما ينبغي في السنوات الماضية، حيث كان المسؤولون عنها ينغلقون داخل مكاتبهم بدلا من العمل على خدمة الجالية المغربية بطورينو ونواحيها. هذه المصلحة بحاجة إلى إعادة هيكلة وتفعيل حقيقي لدورها في التنسيق مع القنصل، والعمل على استقطاب الكفاءات المغربية القريبة من القنصلية، ودعم الشباب، والأطفال، وقضايا المرأة،والطلبة المغاربة هنا بالجامعات وتعزيز التواصل مع الجمعيات الجادة التي تشرف العمل الجمعوي بانشطتها القيمة الهادفة سواء في الميدان الثقافي او الديني او الرياضي،والتذكير بالقضية الوطنية والحرص على التعريف بالهوية والثقافة المغربية في كل مناسبة تجمع الجالية بوطنها الأم.

إن العمل القنصلي الفعّال لا يقوم على الأوراق فحسب، بل على الشعور بالمسؤولية تجاه كل مغربي حمل وطنه في صوته وملامحه ولهجته، حتى وهو بعيد عنه. لذا، من الضروري أن يكون هناك تنسيق أكبر مع الكفاءات المغربية الموجودة في محيط القنصلية، واستقطاب الفاعلين الجمعويين، والاهتمام بقضايا الشباب، والمرأة، والأطفال، وتعزيز التواصل مع المجتمع المدني.
لا يمكننا إغفال الجهود التي يبذلها الموظفون والأعوان داخل القنصلية، فهم يعملون على تسيير شؤون الجالية رغم الضغط الكبير، ولكن لا بد من الاستمرار في تحسين ظروف استقبال المواطنين، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة أكثر راحة للمغاربة الذين يقصدون القنصلية لقضاء حوائجهم. صحيح أن بعض الأمور قد تحسّنت، خاصة فيما يتعلق بالمواعيد، لكن التطلعات لا تزال أكبر، والجالية تطمح إلى مزيد من التيسير والمرونة في الخدمات، بحيث لا يضطر المواطن إلى قضاء يوم كامل في الشارع بانتظار دوره.

هكذا يبقى السؤال الأهم: هل ستكون هذه المرحلة الجديدة مختلفة عمّا سبقها؟ إن الأمل معقود على أن ينعكس هذا التغيير في أرض الواقع، لا في الخطابات فقط، وأن يشعر المغاربة في تورينو بأن قنصليتهم ليست مجرد بناية إدارية، بل بيت مغربي في قلب المهجر، حيث يجدون فيه وجهًا مألوفًا، ويدًا تمتد إليهم، وصوتًا يقول لهم: نحن هنا، من أجلكم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...