حين تصبح الإمامة بلا علم… هل نعيد النظر؟

 

 

 

 

عبد الله مشنون
اعلامي كاتب صحفي مقيم بايطاليا

 

 

 

الإمامة ليست مجرد وظيفة تؤدى، ولا منصبا يُمنح، بل هي رسالة عميقة الجذور، تتطلب علما راسخا وفقها ناضجا، وهي مسؤولية جسيمة يحملها من اجتهد في تحصيل العلوم الشرعية حتى يستحق أن يكون قائدا للصفوف، موجها للعقول، وهاديا للقلوب. ومع ذلك، من المحزن أن نجد اليوم من يعتلون المنابر ويمارسون الإمامة وهم لا يملكون من العلم إلا قشورا، ولا من الفقه إلا ظلالا باهتة، يتحدثون بما لا يعلمون، ويفتون بغير علم، فينشرون التشويش بدل التوجيه، والضباب بدل الوضوح.

إن الإمام الجاهل أشبه بسفينة بلا بوصلة، تتلاعب بها الرياح كيفما شاءت، فلا هو يهدي المصلين إلى السبيل القويم، ولا هو يدرك خطورة ما يزرع من جهل في العقول. كيف نقبل أن يتحول المنبر، الذي كان يوما منصة العلماء الربانيين، إلى موطئ لأقدام من لم يطرق أبواب العلم ولم يجتهد في طلب المعرفة؟ كيف نسمح لأنفسنا أن نسلم عقول الناس وقلوبهم لمن لم يتزود بما يؤهله لهذه المهمة العظيمة؟ إننا أمام خطر يهدد جوهر الإمامة ودورها، فإذا كان الإمام لا يفقه ما يقرأ، ولا يدرك أصول الفقه ومقاصد الشريعة، فكيف يكون قدوة؟ وكيف يكون حارسا للدين في مجتمعه؟

ولكن وسط هذا الواقع المؤلم، تأتي بارقة أمل لفائدة الجالية المسلمة بايطاليا.حيث ستنظم مؤسسة الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية، برئاسة الأستاذ مصطفى الحجراوي، و تأطير المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، برئاسة الشيخ الأستاذ مصطفى الشنضيض،دورة تكوينية جديدة في العلوم الشرعية، لتأهيل الأئمة بايطاليا ومدهم بالعلم الشرعي الرصين. هذه الدورة ليست مجرد محاضرات عابرة، بل هي محاولة جادة لإنقاذ الإمامة من الجهل الذي أصابها. فمن خلال دروسٍ مكثفة في مصطلح الحديث وأصول الفقه والفقه المالكي، يضع العلماء يدهم على مكامن الخلل، ويعيدون البناء من الأساس، حتى يعود الإمام إلى دوره الحقيقي، عالما، فقيهًا، مؤهلًا لقيادة الناس وإرشادهم.

إن تنظيم هذه الدورة بايطاليا من قبل الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية يدل على مدى اهتمام جميع الفدراليات الاسلامية المنتسبة إليها بتحصين الأئمة في مساجد إيطاليا وتكوينهم وفق أسس علمية رصينة، إيمانا منهم بأن الإمام ليس مجرد خطيب يتحدث للناس، بل هو مسؤول عن ترسيخ الفهم الصحيح للدين، وحماية العقول من التيه والضلال. وهذا العمل الذي تقوم به هذه المؤسسة الرائدة يستحق التنويه والتقدير، فهي ليست مجرد هيئة شكلية، بل كيان يضم فيدراليات على الصعيد الايطالي ذات هوية واضحة، تحمل همّ الجالية المسلمة في إيطاليا، وتسعى لإعادة الاعتبار للمساجد عبر تكوين أئمة مؤهلين قادرين على الاضطلاع بدورهم الحقيقي.

وللأسف الشديد، في كثير من المساجد بايطاليا نجد أئمة يعتلون المنابر دون علم شرعي، ولا تكوين، ولا بوصلة، مما يجعلهم يسيئون للإمامة بدل أن يخدموها. إن ضعف التكوين الشرعي عند بعض الأئمة أدى إلى انتشار خطاب غير منضبط، قد يغذي التطرف حينًا، أو يزرع الكراهية حينا آخر، أو يساهم في تضليل الشباب الذين يبحثون عن أجوبة دينية فيجدون أنفسهم أمام من لا يفقهون دقائق العلم الشرعي، فيأخذون منهم دون تمحيص.

 إن التحديات التي يواجهها الإمام في السياق الاوربي عديدة و متفرعة لا سيما في ظل تفاقم ظاهرة تدفق طالبي اللجوء نتيجة الفرار من تنامي الصراعات و الحروب و الكوارث الطبيعية ، و استفحال معضلة الإسلاموفوبيا مما يضطر السلطة التشريعية في أوربا إلى سن قوانين تضييقية تجعل مهمة الإمام التقليدي الغير محيَّن صعبة و معقدة.
و في هذا الصدد أضحى الخطاب الديني في الغرب ضرورة تخضع لضوابط شرعية و قوانين مرعية تُستمد من فقه الأقليات الذي يستند على إلمام الإمام بالوسط الذي يعيش فيه و تحليله لواقع الجالية المسلمة من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الدولة الأوروبية التي يوجد فيها ، و من تم تصير وظيفة الإمام في المجتمع الأوروبي وظيفة كاملة تتجاوز المقاربة التقليدية المتمثلة في الصلاة بالناس بل تتعدى ذلك إلى تأطير الأجيال و النأي بهم عن الغلو و التشدد و تكريس قيم السلام وحسن الجوار و إحترام القوانين الوضعية في بلدان الإقامة دون الاشارة إلى ما قد يورطه و يتعارض مع قوانين البلد المضيف كموضوع الحدود على سبيل المثال لا الحصر بعيدا عن الخطاب النمطي المعتمد على الصياح و رفع الصوت بغية جلب الانتباه مستبدلا إياه بفنون التواصل و الإلقاء الذي يعتمد المنهجية في البناء و التركيب و انتقاء المصطلحات بعناية و حسن توظيفها.

ومن هنا، لا بد من التنويه بالدور الكبير الذي يقوم به المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة في تأطير الأئمة، حيث تسهر على هذه الدورة نخبة من العلماء نظرا لأهميتها ولمكانة الجالية المسلمة في إيطاليا. فهذه الجالية، التي تعيش في بيئة أوروبية متعددة الثقافات، تحتاج إلى أئمة واعين بواقعهم، متمكنين من العلوم الشرعية، قادرين على تقديم خطاب إسلامي وسطي، يعكس حقيقة الإسلام القائمة على الرحمة والتسامح، وليس خطابا مرتجلا أو مشوشا يسهم في تعقيد المشهد أكثر.

ها هم العلماء يقدمون لنا خلاصة خبرتهم:

+ الأستاذ مصطفى الشنضيض، رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، يتولى شرح كتاب “الموقظة في علم مصطلح الحديث” للإمام الذهبي، ليمد الأئمة بأدوات التمييز بين الصحيح والسقيم في الرواية، وهو علمٌ لا يستقيم الفقه بدونه.

+ الأستاذ الطاهر التجكاني، رئيس المجلس العلمي المحلي ببلجيكا، يقدم شرح “الورقات” لجلال الدين المحلي، ليضع أساسا متينل لفهم أصول الفقه، وهو ما يحدد كيفية الاستنباط والاجتهاد.

+ الأستاذ الخمار البقالي، رئيس رابطة الأئمة بهولاندا، يشرح حاشية ابن الحاج على شرح ميارة لكتاب “المرشد المعين”، ليعيد إحياء الفقه المالكي بأدق تفاصيله.

إن هذه الدورة ليست مجرد حدث عابر، بل هي خطوة حقيقية نحو إعادة الاعتبار للإمامة، وحماية الخطاب الديني من الاختطاف، وتحصين الشباب ضد الفكر المتطرف الذي يتغذى على الجهل وسوء الفهم. إنها دعوة مفتوحة لكل إمام، لكل طالب علم، لكل من يحمل همّ هذا الدين، ليكون جزءا من حركة علمية تهدف إلى تصحيح المسار، ونفض غبار الجهل عن المنبر.

فليتقدم من يريد أن يحمل هذه الأمانة كما يجب، وليدعَ الكسل, للاسف أن البعض يظن أن الإمامة مجرد وظيفة بلا علم،فالأمة لن تنهض إلا بفقهائها وعلمائها، ولن تستقيم أمورها إلا إذا عاد العلماء إلى مكانتهم الحقيقية، وأخذ كل صاحب علم مكانه على المنبر، كما كان الحال قديما، يوم كانت الإمامة تعني العلم، لا مجرد الوقوف في الصفوف الأولى.

فهل آن الأوان أن نعيد النظر في مساجد ايطاليا قبل أن يصبح الجهل هو الإمام؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...