عبد القادر الفرساوي
في السياسة، كما في رقعة الشطرنج، هناك من يحسن استغلال الفرص، وهناك من يظن أن التلاعب بالأحجار سيمنحه الانتصار الدائم. الجزائر، التي طالما لعبت على أوتار العداء التاريخي لفرنسا، وجدت نفسها فجأة في موقف من يبحث عن شريك جديد بعدما أدار لها ماكرون ظهره، معترفا بمغربية الصحراء في خطوة أنهت عقودا من المناورة الجزائرية. لكن الفراغ الذي تركته باريس لم يدم طويلا، فقد كانت إيطاليا، الحليف الأوروبي الطامح، تراقب وتنتظر لحظة التدخل لملء هذا الفراغ.
ظن النظام الجزائري أن بإمكانه ليّ ذراع فرنسا، كما اعتاد، عبر استدعاء سفيره وتصعيد الخطاب، متناسيا أن باريس، التي ملت المساومات الجزائرية، حسمت أمرها واختارت المغرب كشريك استراتيجي في شمال إفريقيا. هذه الصفعة الدبلوماسية وضعت الجزائر في مأزق حقيقي، فكان لا بد من البحث عن بديل يمنحها الإحساس الزائف بالقوة، وهنا دخلت روما على الخط، متظاهرة بأنها جاءت لإنقاذ الجزائر من العزلة، بينما كانت في الواقع تسعى لاستغلال ارتباكها لصالح مصالحها الاقتصادية والسياسية.
إيطاليا، التي وجدت نفسها أمام أزمة طاقية حادة بعد تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، لم تكن مستعدة للوقوف موقف المتفرج. فمنذ تولي جورجيا ميلوني رئاسة الحكومة، بدأ النهج الإيطالي يتجه نحو تقوية العلاقات مع الجزائر، مستفيدة من الإرث الذي تركه إنريكو ماتي، الرجل الذي تحدى النفوذ الفرنسي في إفريقيا وقدم للجزائر عقودا نفطية أكثر إنصافا بعد الاستقلال. روما، التي لطالما كانت في الظل مقارنة بنفوذ فرنسا وإسبانيا في شمال إفريقيا، وجدت في هذا التوتر فرصة ذهبية لإعادة رسم دورها، فرفعت مستوى التعاون مع الجزائر، ليس فقط في قطاع الطاقة، ولكن أيضا في المجالات الثقافية والدبلوماسية، مقدمة نفسها كبديل أوروبي أكثر “مرونة” من فرنسا.
لكن النظام الجزائري، المهووس بالبحث عن أي حليف يعزز موقفه المهتز، لم يدرك أن إيطاليا ليست بديلا حقيقيا لفرنسا، بل شريك يبحث عن مصلحته فقط. فخلافا لما يروج له الإعلام الجزائري الرسمي، روما لا تنظر إلى الجزائر سوى كمصدر غاز يمكن استغلاله في ظل الأزمة، وليس كحليف استراتيجي طويل الأمد. فدعوة تبون لحضور قمة مجموعة السبع في إيطاليا كانت مجرد خطوة تكتيكية لتعزيز صورة ميلوني كقائدة أوروبية مؤثرة، وليس تعبيرا عن شراكة متينة.
التقارب الإيطالي الجزائري، مهما بدا في ظاهره وثيقا، لن يغير من الواقع شيئا. فالجزائر تظل دولة معزولة دبلوماسيا، غير قادرة على بناء تحالفات حقيقية بسبب سياساتها العدائية تجاه جيرانها، وعلى رأسهم المغرب. فبينما كانت روما تبني شراكات متوازنة في المنطقة، كان النظام الجزائري يواصل الغرق في سياسات التصعيد العقيم، غير قادر على استيعاب أن العالم قد تغير، وأن الرهان على المظلومية التاريخية لم يعد ينطلي على أحد.
فرنسا أدركت أن الجزائر لم تعد ذات أهمية استراتيجية كما كانت في السابق، فاختارت المغرب كحليف موثوق قادر على تقديم شراكة حقيقية مبنية على المصالح المشتركة والاستقرار السياسي. في المقابل، وجدت الجزائر نفسها في موقف من يحاول لملمة الخسائر، متعلقة بأي يد تُمد لها، حتى لو كانت من دولة كإيطاليا، التي لم ولن تكون بديلا عن النفوذ الفرنسي المترسخ في المنطقة.
روما تلعب لعبتها بذكاء، تستفيد من أزمة الجزائر دون أن تمنحها أي التزام حقيقي. أما الجزائر، فلا تزال تحاول إقناع نفسها بأنها خرجت منتصرة من أزمتها مع فرنسا، بينما الحقيقة أنها تخبطت في فخ جديد، لن تكتشف عواقبه إلا بعد فوات الأوان.





