المغرب يكتب معادلته الطاقية الجديدة: بين شراكة ذكية وانتصار دبلوماسي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

لم يكن الغاز يوما مجرد وقود يشعل المصانع ويوقد المنازل، بل كان دائما ورقة تفاوض تُعاد صياغتها على رقعة السياسة. والمغرب، الذي أدرك مبكرا أن الطاقة ليست مجرد احتياج تقني بل معادلة سيادية، استطاع خلال السنوات الأخيرة قلب الطاولة، متجاوزا عقودا من الهيمنة الجزائرية على خريطة إمداداته الطاقية.
قبل سنوات، عندما قررت الجزائر فجأة إغلاق أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، متوهمة أنها تُطبق حصارا اقتصاديا على المغرب، كان المشهد أشبه بلعبة شطرنج حيث يظن أحدهم أنه حقق “كش ملك”، بينما خصمه كان قد خطط لتحويل النقلة إلى انتصار استراتيجي. حينها، لم ينحني المغرب لعاصفة الابتزاز الطاقي، بل بدأ رحلة إعادة هيكلة موارده، واضعًا نصب عينيه هدفا لا رجعة فيه: الاستقلالية الطاقية، حتى وإن كان الطريق إليها مليئا بالتحديات.

اليوم، ها هو المغرب ليس فقط يتجاوز التهديدات التي حاول النظام الجزائري فرضها، بل بات الشريك الأول لإسبانيا في واردات الغاز، متفوقا على فرنسا نفسها، تلك التي طالما اعتُبرت زبونا رئيسيا لمصادر الطاقة الإسبانية. لم يكن هذا التحول مجرد رقم اقتصادي جاف، بل كان انعكاسا لصياغة جديدة للعلاقات المغربية-الإسبانية، تلك التي عرفت تحولا جذريا منذ إعلان مدريد دعمها لمغربية الصحراء.
لم يكن الوصول إلى هذه المكانة وليد الصدفة، بل نتيجة لرؤية استباقية استثمرت في العلاقات الدبلوماسية والمصالح المشتركة. فمنذ إعادة تشغيل خط الغاز المغاربي-الأوروبي في الاتجاه العكسي، أصبح المغرب يستورد الغاز المسال عبر الموانئ الإسبانية، حيث يُعاد تحويله إلى غاز طبيعي ثم يُضخ عبر الأنبوب ذاته الذي ظن البعض أنه أُغلق للأبد. في لحظة رمزية بامتياز، استعاد الأنبوب وظيفته، ولكن هذه المرة لصالح المغرب، لا لصالح من حاولوا قطع شرايينه.
لم يكتفِ المغرب بهذا الإنجاز، بل سارع إلى توقيع اتفاقيات طويلة الأمد مع كبرى الشركات الدولية، مثل “شال”، لضمان تدفق مستقر للغاز بعيدا عن أي تهديدات خارجية. وفي الوقت ذاته، واصل استثماراته في الطاقات المتجددة، حيث تسير مشاريعه في مجال الطاقة الشمسية والريحية بوتيرة متسارعة، ضمن رؤية تجعل من البلاد مركزا إقليميًا للطاقة النظيفة في العقود القادمة.
أما في الضفة الأخرى، حيث لم تستسغ الجزائر كيف تحولت خطتها العقابية إلى فرصة اقتصادية للمغرب، استمرت في التلويح بورقة التهديدات ضد إسبانيا، محذرة من أن أي إعادة تصدير للغاز الجزائري إلى المغرب سيُواجه بقطع الإمدادات. لكن مدريد، التي أدركت أن مصالحها الاقتصادية والأمنية باتت أكثر ارتباطا بالرباط، لم تُلقِ بالا لهذه التهديدات، وواصلت تعزيز شراكتها الطاقية مع المغرب، واضعة في الحسبان أن المملكة ليست مجرد مستورد، بل شريك استراتيجي في منطقة غرب المتوسط.
اليوم، وبينما تُخطط الرباط لبناء محطات استقبال الغاز المسال الخاصة بها في الناظور وأماكن أخرى، لم يعد الغاز مجرد سلعة تُشترى، بل جزءا من سياسة سيادية تُبنى بحنكة، بعيدا عن الانفعالات المؤقتة والمزايدات الفارغة. فالمغرب لم يراهن يوما على سياسة الصوت العالي، بل على الأفعال التي تترك أثرا في المعادلات الكبرى.
في آخر المطاف، قد تكون الجزائر قد أغلقت أنبوب الغاز ذات يوم، لكن المغرب هو الذي قرر كيف تُعاد كتابة القصة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...