د.رشيد حميمز
أستاذ التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
كشفت مأساة غزة الوجه الحقيقي للعالم. سقطت الأقنعة — أقنعة الإعلام، والصحفيين، والقادة السياسيين، والمفكرين. لم يعد لأحد مكانٌ للاختباء خلف الشعارات الزائفة، فقد انكشفت الحقائق وسقطت الادعاءات.
القيم التي طالما رُفعت شعارات—الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة — تخضع اليوم لاختبار الحقيقة. وما نكتشفه يُدين الجميع: لقد كان خداعًا محكمًا، لكن الزمن كشف زيفه بالكامل.
كما قال نيتشه، تأتي لحظة “انهيار الأوهام” حينما تنكشف الحقيقة العارية، ويظهر فساد القيم التي بُنيت على الباطل.
ليس من المستغرب أن تكون أرض الوحي، فلسطين، مهد الحقيقة، هي التي تكشف زيف العالم وتفضح أوهامه.
وكأن العليّ الأعلى يذكّرنا:
“من هنا بدأ كل شيء، وإلى هنا سيعود كل شيء”،
في دورة أزلية من التجلي والانبعاث، حيث ينهار الباطل وتتجلى الحقيقة من جديد، ثابتة لا يطالها التغيير.
أمام هذا الانكشاف، لم يعد الإعلام والقادة السياسيون الغربيون يحاولون حتى حفظ ماء الوجه. وقد أدركوا سقوط أقنعتهم، فلم يعودوا يتكلفون التظاهر، بل يظهرون وجوههم الحقيقية بوقاحة لا تعرف الخجل.
الرؤية القرآنية للانكشاف
يصف القرآن الكريم اللحظة التي تختفي فيها أوهام الدنيا، ويرى الإنسان الحقيقة بوضوح مؤلم:
“لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ”
(سورة ق، 22)
هذه الآية تصف اللحظة التي يدرك فيها الإنسان حقيقة طالما تهرّب منها. قد يكون ذلك عند الموت، لكنه يحدث أيضًا في المنعطفات التاريخية الكبرى، عندما تنكشف المظالم المخفية للعالم بأسره.
الكشف في التصوف والإرهاصات النبوية
النبي (ﷺ) أخبرنا أنه في آخر الزمان، ستنقلب الموازين:
– سيُرفع الباطل إلى مرتبة الحق،
– ويُقدَّم الحق على أنه باطل،
– حتى تأتي صحوة قاسية تهز العقول والقلوب.
و قال الرسول (ﷺ) أيضاً:
“سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.”
(رواه ابن ماجه).
في التصوف، مفهوم “الكشف” يعني أن تتكشف الحقيقة بعد فترة من العمى أو الجهل.
مأساة غزة فجّرت كشفًا جماعيًا:
– ما كان مخفيًا أصبح مرئيًا.
– سقطت أقنعة من ادّعوا العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
– لم يعد الباطل قادرًا على الاختباء تحت ستار الخير.
يقظة الشعوب ومرحلة اللاعودة
قال ابن عربي، العارف الصوفي الكبير:
“الحقيقة تفرض نفسها دائمًا، والكشف حتمي لمن يطلبها بصدق.”
واليوم، الوعي العالمي لم يعد مغيّبًا. الشعوب تستفيق وترفض:
– زيف الخطاب الإنساني المتناقض.
– الخضوع للقوى المهيمنة.
– استغلال المظلومين تحت قناع “القيم العالمية”.
هذا الكشف هو بداية عصر جديد، قطيعة لا رجعة فيها.
زمن تستفيق فيه الشعوب من غفلتها، رافضةً الوهم، مستعيدةً كرامتها وسيادتها.
النهاية ليست هنا، بل البداية
لم يعد للباطل مكان أمام وهج الحقيقة الساطع.
إنه ليس مجرد سقوط للأقنعة، بل بداية مرحلة جديدة:
– زمن المقاومة.
– عصر الوعي.
– عودة الروح النضالية.
– وإحياء مفهوم العدالة الحقيقية.
وكما يقول القرآن الكريم:
“وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.” (سورة الإسراء، 81)
التداعيات على المسلم بشكل عام والمريد بشكل خاص
هذا الكشف يشكّل صدمة تهزّ وعي المسلم، وتكشف له الحقائق بوضوح لا يقبل التأويل.
من الآن فصاعدًا، بات يعلم ويدرك بيقين راسخ.
لقد أصبح واضحًا أن القيم الغربية التي تُرفع بشعارات الحرية، المساواة، والإخاء لا تصمد أمام اختبار الواقع.
ليست سوى عناوين براقة، وأوهام زائفة، تُرفع كرايات، لكنها تتهاوى فور أن تتدخل المصالح ومنطق الهيمنة.
هذه ليست مبادئ ثابتة، بل أقنعة زائفة تُوظّف حسب المصالح والظروف والفئات المستهدفة.
فلا داعي للانبهار بهذه القيم الوهمية، لأنها ليست سوى سراب يُساق للناس تحت شعارات زائفة.
أما الدعامة الوحيدة الراسخة التي لا تتبدل، فهي الإرث الروحي الأصيل للمسلم.
إنها في النص المقدس، وفي سيرة النبي (ﷺ) وتعاليمه، وفي الحكمة العميقة لهذا الدين،
الذي لم يكن يومًا بحاجة إلى شرعية خارجية لإعلان مبادئه في العدل والحق.
المريد وضرورة الثباة الروحي
بالنسبة للمريد بشكل خاص، ينبغي أن يكون هذا الوعي بمثابة بوصلة ترشده في طريقه.
– عليه أن يتجذر أكثر فأكثر في طريقه الروحي، أن يتمسك بشيخه، وأن يتشبع بالحكمة التي يتلقاها.
– عليه أن يحفظ نفسه من ضجيج العالم، ومن الخطابات الفارغة، ومن تلك الكلمات الرنانة التي تبدو قوية في ظاهرها، لكنها بلا أثر حقيقي في الواقع.
لا يجوز أن يتبدد تركيزه، أو أن ينشغل بأوهام لا طائل منها.
بل عليه أن يصبّ كل طاقته نحو تزكية روحه، وترسيخ يقينه،
وأن يقوي قلبه، ويبني بداخله تلك القلعة الداخلية، حيث لا يسكن إلا الله.
ففي عالمٍ يترنح ويتهاوى، يبقى الثبات الحقيقي الوحيد هو ذاك الذي يتجذر في الله.





