المفاوضات الأمريكية الروسية لإنهاء حرب أوكرانيا

 

 

 

 

مزهر جبر الساعدي
كاتب عراقي

 

 

مؤخرا، عُقِدَ اجتماع في العاصمة السعودية، الرياض، بين وزير خارجية كل من أمريكا وروسيا، حضره وزير خارجية المملكة العربية السعودية؛ لوضع خريطة طريق لتسوية سلمية للحرب في أوكرانيا، والتحضير لاجتماع رئيسي الدولتين لهذه الغاية. كل التصريحات سواء الأمريكية أو الروسية؛ تؤكد أن أمريكا ستمنح روسيا ما تطالب به؛ كقاعدة عمل لأي تسوية للحرب في أوكرانيا؛ أي الاعتراف أو الموافقة على ضم روسيا لست مقاطعات أوكرانية، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، مع عدم انضمام أوكرانيا إلى (الناتو).
السؤال المهم هو؛ هل إن هذا سيحدث، فقط لإيجاد نهاية للحرب في أوكرانيا؟ أم ان هناك ملفات أخرى تخص دولا أخرى سيتم التفاهم حولها؟ مؤخرا كتب المفكر الروسي الكسندر دوغجين القريب من الكرملين، ومن الرئيس الروسي مقالا، قال فيه؛ إن أوكرانيا لنا، ودول البلطيق لنا، وهناك في الافق توافق بين أمريكا ترامب العظيمة وروسيا العظيمة والصين العظيمة والهند العظيمة، على تقاسم النفوذ في العالم، والى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب.

أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فكتب الكسندر دوغجين؛ سوف يكون هناك صراع بين التحالف الاستراتيجي الروسي الإيراني، والتحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي، الذي من الممكن تسويته بطريقة أو بأخرى، ووضع الحلول له. إضافة لمقال رأي للكاتب الروسي الكسندر نازاروف، يقع في الخانة ذاتها التي ذهب إليها تحليلا الكسندر دوغجين. المتابع لتصريحات المسؤولين الروس والأمريكيين؛ يتبين له؛ إن هناك ملفات أخرى س يتم التباحث حولها، أو التوافق حولها في حزمة واحدة.
العالم وبحكم المؤكد مقبل على تغييرات وتحولات كبرى؛ تطال كل بقاع المعمورة، كما أن القوى الدولية الكبرى وتحالفاتها، ربما تتغير بصورة كاملة في البعض منها وبصورة جزئية في الأخرى. كما أن مراكز القوى الدولية الوازنة؛ ربما تتغير هي الأخرى في المستقبل، إن الحرب في أوكرانيا؛ هي البوصلة التي بموجب كل نتائجها؛ سوف تنتج كل هذه المتغيرات والتحولات في المقبل من الزمن. ومن المحتمل أن مفاوضات أمريكا وروسيا ستقود إلى انتهاء الحرب في أوكرانيا، لكن ليس في القريب كما تروج له، تصريحات مسؤولي أمريكا وروسيا، والإعلام الذي يتناولها بالقراءة والتحليل. السؤال المهم هنا؛ هل أن التوافق بين أمريكا وروسيا في وضع نهاية لهذه الحرب؛ يتم بمعزل عن بقية الملفات في المنطقة العربية وفي بقية بقاع المعمورة؟ أمريكا وقادة البيت الأبيض والنخبة الأمريكية، ليسوا من الغباء بحيث يعطون روسيا، أو يسمحون لأمريكا ترامب بإعطائها كل ما تريد، أو ما خططت له في غزوها لأوكرانيا، من دون أي مقابل. إذن، ما هي هذه الملفات؟ المسؤولون الروس وتقريبا في كل تصريحاتهم؛ يؤكدون أن المفاوضات بين روسيا وأمريكا ستتناول كل الملفات، بما فيها ملفات الشرق الأوسط، وبقية الملفات في العالم. الكرملين أكد مؤخرا وفي ظل التطورات التي قادت إلى التوافق الأمريكي الروسي في وضع نهاية لحرب أوكرانيا؛ أن روسيا على استعداد تام للمساهمة في إحياء الحوار بين أمريكا وإيران في ما يخص برنامج إيران النووي.

من الصعوبة التنبؤ بما سيحدث في كل الملفات وبالذات الملف النووي الإيراني، وملف القضية الفلسطينية، بما فيها خطط أمريكا الترامبية، وخطط إسرائيل النتنياهوية في تصفية القضية الفلسطينية. وبالتأكيد؛ أن المفاوضات بين أمريكا وروسيا في كل ملفات المنطقة العربية وملفات جوارها؛ لا يمكن إلا أن يكون جزء أو أجزاء تتضمنها توافقات الدولتين في وضع نهاية للحرب في أوكرانيا. عليه، فإن هذه المرحلة من أخطر مراحل التاريخ، التي تمر على الأوطان العربية وشعوبها، ما يستوجب من كل العرب؛ قراءتها بصورة صحيحة وواقعية؛ تأخذ في الاعتبار قضايا الأمة العربية ومصالحها؛ بأن يكون لها صوت وقوة وقدرة؛ على استخدام كل أوراق الضغط المتوفرة لديهم، وعدم الرضوخ للضغوطات الأمريكية؛ وحماية مصالح الأوطان العربية وشعوب العرب، وفي المقدمة القضية الفلسطينية.

الحوار الذي يدور الآن بين الروس والأمريكيين؛ لوضع نهاية للحرب في أوكرانيا؛ حوار لم يكن واضحا بما فيه الكفاية، أو بما يقود المتابع إلى رسم صورة ولو افتراضية عن خواتيم هذه الحرب التي فجرتها روسيا في غزوها أوكرانيا. صرح مؤخرا نائب وزير الخارجية الروسية؛ بأن خطة ترامب حول نهاية أو توقف الحرب في أوكرانيا غير واضحة، أو هي خطة ضبابية ومبهمة. في تزامن لهذا التصريح؛ قال رئيس مجلس الأمن القومي الروسي؛ إن رؤية ترامب لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، من دون خطة شاملة وواضحة وعملية ودائمية لهذه الحرب؛ غير مقبولة لروسيا.
عدة دول، وبالذات في المنطقة العربية؛ تعيش حاليا أوضاعا انتقالية في الاقتصاد وطبيعة منظومات الحكم. كما أن القوى الدولية العظمى والكبرى، تعيش هي الأخرى مرحلة انتقالية لجهة؛ فضاءات الهيمنة والنفوذ، والشراكات بين مختلف دول العالم، وكذلك التحالفات القائمة، التي ربما ستتعرض للتفكك، وإقامة تحالفات وشراكات جديدة على أنقاضها. في السياق هذا؛ فإن المفاوضات الروسية الأمريكية لوضع نهاية للحرب في أوكرانيا؛ من الصعوبة أن تستمر أو تسير بسلاسة تنتهي بإيقافها في القريب، بل إنها، من وجهة نظري وبالاستناد الى تصريحات كل أطراف الصراع هذا أو كل اطراف الحرب هذه، سواء الروس او الأمريكيين أو الأوكرانيين أو الاتحاد الأوروبي؛ ستكون صعبة جدا، وتستمر أو يستمر النقاش والتفاوض حول وضع خاتمة لها؛ لزمن، ربما يتجاوز الأشهر، لأنها سترسم خريطة جديدة، لعلاقة أمريكا الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لقيادتها لحلف الناتو، وايضا الشكل العسكري والسياسي للناتو؛ إن انتهت لصالح روسيا، أي لحصول روسيا على كل ما أرادته، وخططت له من غزوها لأوكرانيا.

روسيا عليها أن تتنازل عن أموالها المجمدة في أوروبا وفي أمريكا البالغة 300 مليار دولار، مقابل الموافقة على أن تضم روسيا المقاطعات الست، مع شبه جزيرة القرم. الأمر الآخر ذو الصلة بوضع نهاية لهذه الحرب؛ هو قبول أوكرانيا إبرام اتفاقية بين أمريكا وأوكرانيا بسيطرة الأولى على مناجم المعادن النادرة، واستغلالها، وكما يقول ترامب عنها، أنها تعويض عما دفعته أمريكا لأوكرانيا خلال سنوات الحرب الثلاث هذه. هذه الاتفاقية التي كان مؤملا ان يتم عقدها أو إبرامها بين أمريكا وأوكرانيا عند زيارة رئيس الأخيرة إلى واشنطن. لكن أجلت، أو تم تعليقها حاليا، حين زار الرئيس الأوكراني أمريكا والتقى في البيت الأبيض الرئيس الأمريكي، بعد المشادة الكلامية بين الرئيسين؛ التي وبسببها طُلِبَ من الرئيس الأوكراني المغادرة حسب المصادر الصحافية. المسؤولون الأوكران صرحوا بأن المقاطعات الست التي تريد روسيا، أو هي لا تقبل بإيقاف الحرب هذه، إلا بموافقة الأوكران على ضمها لروسيا؛ أمر غير مقبول وترفضه أوكرانيا. ومن الجانب الثاني؛ صرح الرئيس الأوكراني وهو يغادر واشنطن بعد المشادة الكلامية في البيت الأبيض في الطريق إلى لندن؛ أن أوكرانيا لن تبرم اتفاق سلام مع روسيا إلا بضمانات أمنية؛ هذا التصريح ضمنا؛ يرسل رسالة واضحة ألا وهي؛ أن أوكرانيا من الممكن أن تتنازل وتمنح روسيا ما تريد، مقابل ضمانات أمنية أمريكية. رؤساء فرنسا وبريطانيا وألمانيا؛ صرحوا بعد هذه التطورات، وبالذات التطور الأخير الذي أحدثته المشادة الكلامية بين ترامب وزيلينسكي؛ كلها أكدت استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا. عليه فإن المفاوضات بين روسيا وأمريكا وكما قلت إنها لن تكون سهلة ابدا، كما إنها لن تنتهي في أشهر قريبة.. وخواتمها ستغير شكل وطبيعة العلاقة الأمريكية الأوروبية؛ إذا ما انتهت لصالح روسيا.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...