عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا
في قلب الغربة، حيث تتباعد المسافات لكن تظل الروابط متينة، يظل المغرب حاضرا في وجدان أبنائه، لا كمجرد وطن جغرافي، بل كهوية نابضة بالحياة، تمتد حيثما حل المغاربة. الجالية المغربية في إيطاليا، كغيرها في بقاع العالم، لا تحمل معها فقط لغة الوطن وعاداته، بل تنقل أيضا قيمه العريقة في التسامح والتعايش والانفتاح، تلك القيم التي أصبحت سمة مميزة لسياسة المغرب بقيادة أمير المؤمنين، الملك محمد السادس.
في مدينة طورينو، حيث تلتقي ثقافات متعددة وتتشابك الهويات، جاء الإفطار الجماعي الذي نظمته الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية بالتنسيق مع القنصلية العامة للمملكة المغربية، ليكون أكثر من مجرد مناسبة اجتماعية، بل لحظة تعكس عمق الروابط الإنسانية والتواصل بين الشعوب. لم يكن مجرد مائدة طعام، بل مساحة للحوار وتبادل الرؤى، حيث اجتمع ممثلو مختلف المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية، في مشهد يكرّس صورة الجالية المغربية كسفيرة لوطنها، حاملة لرسالة الاعتدال والاحترام المتبادل.

حضر هذه الأمسية القنصل العام للمملكة المغربية في طورينو، السيد محمد بيد الله، إلى جانب رئيس الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية، السيد مصطفى حجراوي، وممثلين عن السلطات الإيطالية، من سياسيين ومسؤولين محليين وقادة عسكريين، فضلا عن أكاديميين وإعلاميين وممثلي الجمعيات والمراكز الإسلامية المنضوية تحت الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية والكنائس المسيحية، الذين جاؤوا جميعا ليشهدوا لحظة تجمع بين الأصالة والانفتاح والثقافة والهوية.


لقد جسّد هذا اللقاء نموذجا حقيقيا للدبلوماسية الروحية التي ينهجها المغرب، تلك التي لا تقتصر على السياسة الرسمية، بل تمتد إلى المبادرات المجتمعية التي تعكس جوهر الثقافة المغربية، حيث الحوار والتسامح أساس كل تفاعل.

لم يكن الحدث مجرد لقاء رمضاني، بل فرصة لطرح رؤى جديدة حول الاندماج الإيجابي للجاليات المسلمة، ودور المؤسسات الإسلامية المعتدلة في تعزيز قيم العيش المشترك. كانت الكلمة للمغرب، ولكن ليس بالكلام وحده، بل عبر ممارسات وتجارب تؤكد أن هذا البلد ظل عبر العصور منارة للتسامح الديني والتعدد الثقافي. إن حضور الجالية المغربية في هذا المشهد لم يكن رمزيا، بل كان فاعلا ومؤثرا، حيث برهنت مرة أخرى على قدرتها على تمثيل قيم وطنها بما يليق به.

إلى جانب وجبة الإفطار التي تحمل بُعدا روحانيا عميقا، كان اللقاء مناسبة لتقديم مشروع Ex Nebiolo، وهو مبادرة ثقافية واجتماعية بارزة في مدينة طورينو، تسعى إلى تعزيز الحوار بين الأديان، ودعم جهود الاندماج الإيجابي للمهاجرين في المجتمع الإيطالي. يحظى هذا المشروع بأهمية خاصة، إذ يشكل جسرا بين الماضي والحاضر، حيث يستعيد ذاكرة تاريخية غنية بالتنوع، ويوجهها نحو بناء مستقبل يقوم على التفاهم المتبادل. إن انخراط الجالية المغربية في مثل هذه المشاريع، ودعمها من قبل المؤسسات الرسمية، يعكس ثقة السلطات الإيطالية في الدور الفاعل الذي تلعبه مؤسسة الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية في خدمة الاستقرار المجتمعي وتفعيل مبادئ الوسطية والاعتدال، بعيدا عن أي نزعات انغلاق أو تطرف.

الحضور المغربي في هذا الحدث لم يكن مجرد تمثيل دبلوماسي أو رسمي، بل كان تجسيدا لقيم وطن بأسره، ولنهج سياسي قائم على الدبلوماسية الروحية التي تكرسها المملكة في علاقاتها مع مختلف الدول. في الوقت الذي تعيش فيه بعض المجتمعات صراعات حول الهوية والانتماء، يثبت المغرب مرة أخرى أن التعددية ليست تهديدا، بل فرصة للتعايش والتفاعل الإيجابي. وقد أكدت هذه الأمسية أن الجالية المغربية في إيطاليا ليست مجرد تجمع سكاني، بل هي امتداد طبيعي لروح المغرب، وسفيرة لقيمه الأصيلة في أفق أوسع من الحدود الجغرافية.







